لا تطوير بدون ديمقراطية

 منذ انعقاد المؤتمر القومي الأول لتطوير التعليم العالي في عام 2000 تروج وزارة التعليم العالي – سواء في عهد الدكتور مفيد أو في عهد الدكتور عمرو – لأن هناك أولوية لتنفيذ 6 مشروعات قومية تهدف إلى تطوير وتحديث منظومة التعليم العالي والجامعي بمصر – كما يدعون – ومن ضمن هذه المشاريع مشروعين أثارا ضجة ونقاش في الفترة الأخيرة .. هما مشروع تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس والقيادات ومشروع توكيد جودة التعليم العالي والاعتماد . هذا بالإضافة بالطبع إلى مشاريع أخرى ذات طبيعة فنية أكثر مثل تطوير المعاهد التكنولوجية أو مشروع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات .

وتمول المشروعات الستة من القرض الممنوح من البنك الدولي ( 63 مليون دولار ) والميزانية المخصصة من الحكومة المصرية والتي تقدر بمبلغ 730 مليون جنيه للسنوات (2002 – 2007 ) .

وبالإضافة إلى هذه المشروعات يتم تنفيذ عدة مشروعات في إطار التعاون الدولي منها: مشروع تطوير قوة العمل في مجال الصحة ، وبرنامج الترابط بين الجامعات المصرية والأوربية والمسمى TEMPUS III-MEDA .

وخلال العامين الماضيين بدأت أنشطة هذه المشاريع وتمثلت في المشروعين المثيرى للجدل في التالي:

1-  بالنسبة لمشروع تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس والقيادات :  بدأ العمل بقوة فيه وتمثل في اختيار مجالات لتنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس مثل مهارات الاتصال الفعال  ، اتخاذ القرار وحل المشكلات ، الاتجاهات الحديثة في التدريس ، إدارة الوقت وضغوط العمل ، مهارات التفكير ، أساليب البحث العلمي وإدارة البحث العلمي .. إلخ . وتحت ضغوط أهمية البداية السريعة تم إعداد مواد تدريبية لهذه المواضيع في مدة قياسية وبالاستعانة بعدد محدود من غير المتخصصين في الغالب  ، وتميزت هذه المواد بالقصور والابتسار وعدم دقة المعلومات وبالطبيعة العامة والإنشائية. ثم بدأ تنظيم مجموعة من دورات تدريب المدربين قام بالتدريس فيها عدد محدود من المدربين (أ.د. محمود الخطيب أستاذ إدارة أعمال بجامعة حلوان ، د. أحمد حسني خبير ومستشار الموارد البشرية .. وكان يعمل سابقاً في شركة جنرال موتورز كما قدم نفسه ، أ.د . محمد حافظ أستاذ الفيزياء ومدير المشروع ورئيس اللجنة القومية للمشروع ) ، وخضع اختيار المتدربين لمجاملات كثيرة وكان في الغالب في يد رؤساء الجامعات الذين تدخلوا في الاختيار .. وغالبية من حضر هذه الدورات كانوا من المرضي عنه من العمداء والوكلاء وخصوصاً مع اتضاح العائد المادي الكبير الذي سيحصل عليه المدربين ، ورغم المحاولة المحدودة لوضع معايير لتقييم من تقدموا لحضور دورات تدريب المدربين TOT من الاستعداد الشخصي والخبرة في الموضوع والرغبة في العطاء إلا أن من شاركوا في التدريب منذ البداية وحتى الآن   كانوا من غير الحاصلين على score  عال من قبل خبراء التدريب الذين قادوا الدورات وسبق الإشارة إليهم ، وكانت الأولوية في الحصول على مغانم التدريب لنواب رؤساء الجامعات والمرضي عنهم من قبل رؤساء الجامعات من الأساتذة بصرف النظر عن الكفاءة مع تكرار أسماء بعينها لتعظيم استفادتها من "السبوبه" كما شابه تنظيم هذه الدورات انحرفات مالية خاصة بتنظيم استراحات الغذاء والشاى والقهوة أثناء اليوم التدريبي الطويل .. و إلى الآن فإن المبلغ المخصص للشاى والقهوة والغذاء في اليوم التدريبي الطويل غير معلوم وإن كان ما يصرف فعلياً لم يزد عن 15 جنيه بأي حال من الأحوال على المتدرب في اليوم .. تمت ايضا استقطاعات بلا سند قانوني من المبالغ التي تقاضاها المدربين بحجة التبرع لأنشطة جامعية أخرى ولا يدرى أحد – حتى الآن – أين ذهبت هذه المبالغ . وبالطبع كان الاقبال على الدورات كبيراً حيث أعتبرت غالبية الجامعات حضور هذه الدورات شرطاً أساسياً للتعيين يفي وظيفة مدرس وللترقية للدراجات الأعلى .

وكانت الأخطاء الرئيسية التي ارتكبت في هذا المشروع كالتالي :

أ‌-     ضعف المادة العلمية للموضوعات التي أختيرت لرفع كفاءة أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم فيها.

ب‌- اختيار المدربين لم يخضع لأي أساس موضوعي . وكان هناك المحظوظين والموالين الذين حصلوا – ومازالو – على النصيب الأساسي من الكعكة ورغم وجود لجنة قومية حاولت أحياناً وضع معايير لعملية اختيار المدربين إلا أن الأمر تركز في يد رؤساء الجامعات في النهاية .

جـ - غياب الشفافية في عمليات الإنفاق المالي وخصوصاً النقود التي تصرف على دعم تنظيم الدورات والمطبوعات والمكتبيات واسترحات الغذاء والشاى والقهوة.. إلخ . وفاحت رائحة هذه الانحرافات مما أدي إلى أكثر من محاولة للإيحاء بالاصلاح بتغيير قواعد الصرف المالي رغم قصر عمر المشروع .

د- التدريب كان يتم في الغالب بدون تحضير لضعف المادة التدريبية من ناحية ولسوء اختيار المدربين من ناحية أخرى ، وتحولت الدورات في الغالب إلى جلسات للدردشة ، وكان من العجيب أن من يحاضر في أساليب التدريس الفعالة لا يستخدم هذه الأساليب التي هي موضوع محاضرته .

هـ- مع اكتشاف المتدربين للأخطاء السابقة أصبح كل همهم تسجيل الأسماء في أكبر عدد من الدورات للحصول على الشهادات اللازمة للتعيين أو الترقية مع الحضور الشكلي للتوقيع صباحاً وعند نهاية اليوم التدريبي .

و- لم يكن هناك تنسيق في إعداد المواد التدريبية وتكررت نفس المحاضرات في دورات مختلفة مما أصاب المتدربين بالملل .

ء – تم استبعاد بعض المواضيع التدريبية التي يمكن أن تثير نقاشاً حقيقياً مثل مواضيع "الجامعة والمجتمع " و " مهارات الشباب و تفعيل المشاركة في الأنشطة الطلابية" .. تم استبعاد هذه المواضيع بتعليمات صريحة من الأمن . ( أنا شخصياً تعرضت للاستبعاد من قبل الأمن ومنعت من استمرار المشاركة في التدريب رغم حصولي على دورات متقدمة مثل دورات الـ TOT  و الـ Master Trainer لأنني في أحد الدورات تحدثت عن استقلال الجامعة والدور العظيم للطلاب المصريين تاريخياً وعن 21 فبراير وعبد الحكم الجراحي ولائحة 1976 الديمقراطية وعن الاتحاد العام لطلاب الجمهورية وضرورة عودته .. وعندما سألت رئيس جامعتنا ومفوض المشروع بها عن سبب الاستبعاد .. ردوا علي بصراحة نادرة أن سبب ذلك هو أحاديثك المتكررة عن 9 مارس وحركة كفاية واستقلال الجامعة ألخ . وفهمت أن ذلك تم بالطبع بتعليمات من الأمن وبناء على تقارير المتابعة الأمنية للدورات .

2-  بالنسبة لمشروع توكيد جودة التعليم العالي والاعتماد : تتمثل  أنشطة هذا المشروع في نوعين من المشروعات هما:

r مشروعات تتم على مستوى كل جامعة مثل مشروع وضع استراتيجية لضمان الجودة والاعتماد على مستوى كل جامعة ومشروع إنشاء مركز لضمان الجودة والاعتماد للجامعة .

 r مشروع يتم على مستوى كل كلية لإنشاء نظام داخلي للجودة والاعتماد على مستوى الكلية.. وفيه تتقدم كل كلية بتصور للاعتماد الداخلي لبرامجها ومقرراتها على أن يتضمن المشروع SWOT analysis  لوضع الكلية (نقاط القوة والضعف والفرص والأخطار ) التي تواجه كل كلية ويهدف هذا المشروع للوصول إلى خريج متميز قادر على المنافسة في سوق العمل مع توصيف للبرامج والمقررات الدراسية .. كل ذلك بهدف تحقيق شروط الاعتماد المحلي والدولي.

ورغم قلة الأخطاء الخاصة بهذا المشروع إلا أن أوجه القصور التي شابته كانت :

أ‌-   غياب مفاهيم الجودة عن العملية التعليمية في مصر إجمالياً ، وبالتالي فإن معلومات ومفاهيم أعضاء هيئة التدريس بهذا الصدد ضعيفة ، بالإضافة إلى سوء سمعة مشاريع التطوير إجمالياً حيث ينظر إليها على أنها في أحسن تقدير " سبوبه" يستفيد منها مالياً القائمين عليها وتنتهي بمجرد انتهاء الميزانيات المخصصة وبالتالي لم يتقبل الحديث عن الجودة بجدية كبيرة من أعضاء هيئة التدريس.

ب‌-  عدم التركيز على مكونين رئيسيين لازمين للاعتماد الدولي للجامعات وللكليات سواء نظرية أو عملية وهما :

r ضرورة توافر الديمقراطية والشفافية في عملية اختيار القيادات الجامعية وفي النشاط الطلابي وفي انتخاب قيادات الاتحادات الطلابية ، وأن يكون ذلك كله بعيداً عن أية تدخلات أمنية .

r ضرورة توافر حريات أكاديمية وحرية للبحث العلمي داخل الجامعات المصرية.

 وفي المقابل تم التركيز على مشاكل أعداد الطلاب الكبيرة وتوافر المدرجات وأماكن التدريس واستخدام التكنولوجيات الحديثة فقط .

           جـ- عدم الاهتمام بالمناخ و الأجواء التي يتم فيها عمليات التطوير المزعومة .. فلا حديث عن مقاومة الفساد المالي ولا عن ضعف القيادات الجامعية و بؤس طريقة اختيارها وتصعيدها ، بالإضافة إلى شيوع مفاهيم عدم الانضباط في الأداء الجامعي و الانتشار الواسع للمجاملات والطرق الجانبية في تعيين المعيدين وإعطاء المنح .. كل هذا يراه الطلاب وأعضاء هيئة التدريس يومياً وبالتالي يفقد الحديث عن التطوير والجودة أي معني .

                د – كان التغيير المستمر في قيادات المشروع و لجانه يعكس مفاهيم عدم الجدية والاستمرارية ، وفي كل مرة كان يتم فيها تعيين أمين جديد للمجلس الأعلى للجامعات تصدر قرارات بتغير القيادات ويقوم كل أمين جديد بتعظيم دوره الإشرافي - والذي سينعكس بالطبع في فوائد ومكافآت مالية أكثر – و بتعيين رجاله وأنصاره قاده لهذه المشاريع واللجان.

***********************

سنواصل الحديث عن الانتقادات الموجه لمشروعي" تطوير قوة العمل في مجال الصحة " الممول من هيئة التنمية الدولية الأمريكية ومشروع " دعم الترابط بين الجامعات المصرية والأوربية" إلى دراسة أخرى قادمة.

د. سالــم ســلام

أستاذ طب الأطفال بجامعة المنيا