عن الجامعة*

بقلم رضوى عاشور

 

    لحديث الجامعة شجون (بالمعنيين، معنى الهموم والأحزان، ومعنى اشتباك الفروع وتعقّدها وتشعّبها)، فهو حديث له وطأة، يزداد ثِقَلا إن كانت المحدِّثة ارتبطت بالجامعة وأمضت فيها دارسة ومدرِّسة أكثر من ثلثي سنوات عمرها، ثم إنه حديث يتشعب بنا إلى سكك شتى تتعلق بالجامعة بشكل مباشر وتتعلق بالتعليم في المدارس، وأوضاع البحث العلمي في بلادنا، والقمع وغياب الحريات الديمقراطية، والفساد وارتباك سلّم القيم في واقعنا، وهو باختصار واقع خرِب تتجسد عناصر أزمته في كافة مناحي الحياة اليومية لكافة الأفراد، رجالا ونساء، نشأً ومكتهلين، دارسين تتعثر أقدامهم على أول درج المعارف وباحثين مستتبين فيما انجزوه من علوم ودراسات.

   ولعل أفدح مظاهر هذه الأزمة وأكثرها حدّة وخطورة هو تدهور التعليم المدرسي إلى حد غير مسبوق، يغلب عنده التلقين والدروس الخصوصية وشاغل التدريب على حل الامتحانات الرغبة في التعليم والتعلّم. يتخرج الأولاد من المدارس ولم يطلعهم أحد على مسرّات البحث ومباهج المعرفة، ولا علّمهم أحد  أن المحاججة والنقاش والاستقلال بالرأي، محاسن تستحق التشجيع والثناء؛ نتاج التعليم المدرسي، في الغالب الأعم، افتقاد تام للقدرة على التفكير المركّب، أوالتعامل مع ما هو إشكالي، فضلا عن ارتباك أخلاقي مشوب بالخوف، يقبل بالسلطة المطلقة للمعلِّم والكتاب المقرر، واستعداد للقبول بمسلماتهما و الخضوع في الظاهر على الأقل، لما يمليانه. إنه تعليم أشبه بمذبح آلي يقطع رؤوس الصغار (لا أعتذر عن الصورة القاسية بل أُبقي عليها لأن الواقع شديد القسوة).

   وماذا عن الجامعة؟ قد يفيدنا هنا أن نبدأ من بالباب المفضي إليها، أول القصيدة...: حيِّز مغلق بأسوار وبوابات من قضبان الحديد، تمتاز على بوابة المدرسة بكثرة البوابين و"جمهرة" من رجال الأمن تعزِّزهم سيارات مصفحة كبيرة في وضع استعداد دائم (على سبيل المثال، تحتل هذه السيارات التي قد يقل عددها إلى ثلاثة أو يزيد إلى سبعة تبعا للظروف، شارع الخليفة المأمون بين مباني الحرم القديم لجامعة عين شمس والمباني الجديدة لكليتي الألسن والتجارة، تحتلها على مدار العام). وسوف يتاح لي من موقعي كعاملة في الجامعة أن أشهد "وثائق حيّة"، منها مثلا جندي من جنود الأمن المركزي خارج السور يُدخل ماسورة البندقية من بين القضبان ويصوِّب على الحرم، ومنها مصفحة متوسطة الحجم تقترب من الطلاب المحتشدين عند البوّابة لترهبهم وتدفعهم إلى التراجع (المشهدان وثيقتان تخصّان تاريخ جامعة القاهرة). أما الوثيقة الثالثة ولها نسخ متعددة، إذ يتكرر المشهد عبر السنوات في أكثر من جامعة، مشهد الطلاب المحتشدين خلف البوابات المغلقة يهزونها هزا ويدفعونها دفعا وهم يهتفون، ومشهد صفوف جنود المركزي بخوذاتهم وهراواتهم وبنادقهم وهم يطوقون البوابات والأسوار.

   لا يحتاج الأمر تدريبا خاصا في السيميولوجيا (أي علم العلامات) لقراءة معنى هذه المفردات، فدلالاتها واضحة: الجامعة حيّز مغلق محكوم ومحاصر، ولكن الحصار لا يقتصر على البوابة وقضبان الحديد والبندقية المشرعة عبر السور بل يمتد إلى تفاصيل بلا حصر.

 

الكتاب الجامعي وكوارث أخرى

   يصل الطلاب الجدد إلى الجامعة ليكتشفوا أنها مدرسة كبيرة تعتمد التلقين منهجا، بل وتعتمد الكتاب الجامعي وهو مصطلح يبدو لي مثيرا للسخرية، أفهم أن تكون هناك مصادر أو مراجع أساس لطلاب الطب أوالصيدلة مثلا، أونصوصا أدبية بعينها يدرسها طلاب الآداب مثلا، ولكن فكرة الكتاب الجامعي تحمل مفارقة فادحة في دلالتها، فمن المفترض أن تكون قبلة الدارسين في الجامعة هي المكتبة، يقرأون في الموضوع وحوله، لمن يتفق مع اساتذتهم أويختلف معهم.. إلخ. أما الكتاب الجامعي المقرر في الكثير من الأقسام والكليات بجامعاتنا القديمة والحديثة فهو كتاب مؤلف خصّيصا لاستذكار ما ورد فيه بغرض الامتحان. ومن مواصفاته أنه كتاب رثّ في مظهره، ومخبره في الغالب الأعمّ، لا يختلف عن مظهره. ولا تضمن له رثاثته إلا الحياة لشهور معدودة، هي الفصل الدراسي الذي فُصِّل من أجله، وهو لا يصمد للمنافسة في سوق الكتاب المفتوحة.  يعرف الجميع، من قام بتأليفه ومن أُلِّف من أجلهم أنه كتاب قضاء حاجة، حتى ليجرؤ مؤلفه على شطب فصول منه في نهاية الفصل الدراسي بدعوى التيسير على الطلاب. إنه الكتاب-الشيء، فهو يشيّئ المعرفة بتحويلها إلى أداة لخدمة الإجابة في ساعتي الامتحان.

   ولا تقتصر الخسارة على إهدار وقت الطلاب ومالهم وإفساد ذائقتهم بل تتعداه إلى جريمة قَوْلَبَة البشر، بمعنى صبّهم في قالب واحد يستلب منهم تفرّدهم وحريتهم وطاقتهم الإبداعية وقدرتهم على إعمال النظر والتفكِّر باستقلال وروح نقدية. يفسد مشروع الباحث فيهم، فيفسدهم  كطلاب ويفسدهم كمواطنين، وفي الحالتين يقتل "فكرة" الجامعة ومعناها ومنطق وجودها.

   ورغم أنني لست من هواة التحسِّر على الماضي وندب ما فات وانقضى إلا أنني وأنا أتحدث عن الكتاب الجامعي تحديدا، أشعر بمرارة شديدة مصدرها وعيي بحقيقة أننا أمة ميّزت ثقافتُها الكتاب، هامت به وتفنّنت فيه وأبدعت في أشكال وضعه وتصنيفه وتدوينه وتزيين صفحاته وأغلفته حتى جعلت منه متعة للعقل والعين والروح. خسارة أخرى فادحة أن يقطع هذا الكتاب الرث على شباب الدارسين علاقتهم بموروثهم الثمين، فإذا قيل كتاب طفت في ذاكرتهم هذه الكتب الغريبة المنتحلة أحيانا، والمليئة بالأخطاء المطبعية أحيانا  أخرى والهزيلة في فحواها غالباً، فلا عجب أن الطلاب بعد قضاء حاجتهم يتركونها ملقاة بالقرب من لجنة الامتحان، ذلك إن لم يمزقوها مستمتعين بالتشفّي.

   ويزيد الأمر تعقيداً الدروس الخصوصية الذي بدا قبل عقد أو عقدين أنه مرض متفش في تخصص أو تخصصين، ليتضح الآن أنه تفشى في أغلب التخصصات وفي كل الجامعات كما في المدارس، بل والعهدة على الراوي أن بعض الطلاب الجدد في كليات الطب يحجزون في كورسات الدروس الخصوصية قبل بدء الدراسة، والأنكى أن بعض مراكز هذه الدروس الخصوصية يكون بالقرب من الجامعة لا يحتاج من الدارسة او الدارس سوى قطع الشارع!

   الكتاب الجامعي بوابة مغلقة، والدرس الخصوصي، والأستاذ الذي يملي على طلابه فكرته التي لا شريك لها، والعميد المعيّن، عناصر منظومة كاملة تجسدّها قضبان الحديد. والمنطق الحاكم لتلك المنظومة في تقديري، هو الخوف: خوف النظام القائم والثقافة السائدة وشرائح واسعة مرتبطة بهما، من الطاقة البشرية وحرية إعمال العقل وحرية الفعل والممارسة، خوف تحركه القناعة بأن كافة هذه الطاقات ليست إلا تهديداً لا بد من مواجهته. ومن هنا فإن حضور الأمن في الجامعة وتدخّلاته في شئونها ووجود سيارات الشرطة بالقرب منها ليست سوى علامة يتجاوز فحواها المعنى المباشر لضبط "الأمن" بالمعنى الحرفي للكلمة، بل علامة دالة على منطق أشمل يرى في التلجيم والتحجيم والكبح سبيلا أوحد لضمان "الأمن". فإطلاق الحريات، تبعاً لهذا المنطق، وإعمال العقل والخيال والبحث، وتنمية القدرة على النقد والنقض، والوجود المستقل كلها عناصر تمرد وقلقلة. ولا عجب والوضع كذلك أن لا تتمكن أي جامعة مصرية أو عربية أن تحفظ لنفسها موقع قدم في قائمة الجامعات الخمسمائة الأفضل في العالم، إذ لا يستقيم إنجاز علمي ولا تعليم جيد مع هذا المنطق. وهنا ندخل في دائرة جهنمية حيث يتوالد التخلّف وعناصر الأزمة والعجز عن الخروج منها,  وكلما زادت الأزمة زاد تململ المحابيس وكلما زاد تململ المحابيس زادت القبضة إحكاماً وهو ما يفسر تدهور التعليم في الجامعة عاما بعد عام.

   كثيرا ما يشكو الأساتذة من تدهور مستوى الطلاب، وفقر معارفهم، وتعثّر قدراتهم اللغوية، وصعوبة تعاملهم مع أي فكرة مركّبة. ولكن أذكِّر مرة أخرى أن الطلاب يصلون الجامعة بعد مرورهم بالمذبح الآلي، وأن النظام في الجامعة نفسها يكمل مهمة هذا المذبح، مهما اجتهد أستاذ عالم وحسن النوايا، هنا أو هناك، في كسر القاعدة. ولما كان المجتمع مأزوما بإعلامه، وكافة مؤسساته الأخرى يصبح الوضع كارثيا لا أقل، وتصبح نجاة طالب متميز أو باحثة شابة من قبيل المعجزات التي يشاء الله في رحمته الواسعة أن يهوِّن بها علينا بين حين وآخر. فيكون تميّز الباحث بالرغم من النظام السائد في الجامعة، لا نتيجة لهذا النظام.

 

بين البحث العلمي والانتحال

   لم يرد ذكر جامعة عربية في قائمة الجامعات الخمسمائة الأفضل في العالم، ولو أن حصراً مشابهاً جرى عن إسهامنا في مختلف مجالات الأبحاث لكانت الصورة أكثر قتامة، بكثير. والمفارقة أن أستاذة الجامعات في بلادنا لا ينتقلون من درجة علمية إلى الدرجة الأعلى (من مدرس (وهو الحاصل على الدكتوراه) إلى أستاذ مساعد، ومن أستاذ مساعد إلى أستاذ) إلا بتقديم أبحاث للترقية، كما أن أغلب الكلّيات لها حوليّات تنشر فيها جديد أكادميّيها، ولا تستطيع أغلب هذه الحوليّات أن تصمد أمام المجلات المتخصصة الجادة الي تصدر في الخارج، لا لخلوها من بحث مهم من حين لآخر بل لأنها تنشر لاعتبارات مختلفة، الغث مع السمين، وعادة ما يغلب الغث على السمين. أما قضية الانتحال فهي قضية تستحق التوقف لا لأن السرقة العلمية بدعة في بلادنا فهي واردة وقائمة في مختلف البلدان، بل لأن ثبوت التهمة في جامعاتنا قد لا يترتب عليه شيء. هناك واقعة ثبوت تهمة الانتحال على عميد من عمداء كلية الآداب قبل عدة سنوات. بعد الفضيحة، ترك الأستاذ العمادة،  وعيّن رئيساً للقسم (اي أصبح بالتعبير القديم يشغل الكرسي الأول في تخصصه!). وهناك واقعة أخرى هي سرقة الدكتور "سين" لأحد عشر بحثا، وتمكّنه من الحصول على حكم محكمة يبرِّؤه من التهمة (المثبتة بالأصول التي نقل عنها)، بعدها تم ترقيته إدارياً إلى أستاذ ثم تعيينه لاحقا رئيساً للقسم واسمه الآن على لائحة المحكِّمين الذين يمكن أن يقيّموا الإنتاج العلمي لمدرس أو أستاذ مساعد! ثم واقعة ثالثة، العام الماضي تخص الدكتورة "صاد" التي نقلت بحثا كاملا بحذافيره من على الشبكة الإلكترونية، وأرسلت اللجنة العلمية خطابا لعميد كليتها ورئيس جامعتها وأمين المجلس الأعلى للجامعات وما زالت اللجنة بعد عام تنتظر رداً على ما أرسلته من خطابات. لم تُرقّ الدكتورة، صحيح لأن ذلك قرار اللجنة العلمية إلا أن أي إجراء لم يؤخذ ضدها فما زالت السيدة "الفاضلة" تقوم بدورها في التربية والتعليم وضع امتحانات وتقوم بتصيحها! وعند عرض تقرير اللجنة العلمية (كما تقتضي اللوائح) على مجلس كليتها، لم يشر العميد إلى انتحالها بحثا، واكتفى بالقول إنها لن ترقَّى! معتبراً-على ما يبدو- التواطؤ والتستّر على جريمة بهذا الحجم نوعا من الودّ الإنساني والتراحم بين أبناء المهنة الواحدة!!  

   لم أذكر سوى قليل من كثير،  واكتفي بهذه الوقائع الثلاث التي شاهدتها بأم عينيّ و كنت، بمعنى من المعاني، طرفاً مباشراً فيها (في الواقعة الأولى بحكم عملي في الكلية التي أدين عميدها بالانتحال، وفي الواقعة ثانية من موقعي كعضو من بين أعضاء لجنة تحكيم البحوث المسروقة، وفي الواقعة الثالثة بحكم كوني المقرِّرة المنتخَبَة للجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين في أقسام اللغة الإنجليزية وآدابها في الجامعات المصرية).

   أما الأمر الثاني الذي يبدو مفزعا فهو التمويل الأجنبي للمشاريع البحثية، وقد لا يكون الاعتراض مانعاً شاملاً من حيث المبدأ على هذا الامر، ولكن الاعتراض كل الاعتراض على سياسات عشوائية غالباً، كليلة البصر، لا ترى أبعد من المنحة المالية وتقصر عن رؤية دلالالتها وانعكاساتها على استقلال الجامعة وكرامتها بل وأمن البلاد. هذا حديث آخر شجونه أكثر، لا مجال للخوض فيها الآن. فقط من باب الإشارة السريعة: ما الذي نقوله في مشروع من عشرات المشاريع التي تقسِّم البحوث التي تسعى إلى طلب التمويل إلى بحوث صغيرة ومتوسطة وكبيرة، لكل فئة منها هيئة تفحص خطط البحث المقدمة، الهيئة المكلّفة بفحص خطط المشاريع الصغيرة من الأكاديميين المصريين، الهيئة المكلّفة بفحص المشاريع المتوسطة تتشكل من مصريين وأجانب، والأجانب أكثر عددا، أما المشاريع الكبيرة فتحكمها وتتحكم فيها هيئة خالصة من الأجانب. وإن كان هناك من يقول أنها في النهاية أموالهم ولهم أن ينفقوها بما يرون، فهناك من يجيب وهل فقدت الإدارة عقلها لجعل خريطة المشاريع البحثية مشاعا على الملأ، تتحكم جهة أجنبية مانحة فيها؟ ثم ألا يستحق منا التوقف هذا التركيز الشديد على كليات التربية (كليّات إعداد المعلِّمين)! هذه مجرد رؤوس مواضيع تستحق التوقف مطوّلا بما لا تسمح به المساحة المتاحة في هذا المقال السريع.

   ثم الأمر الثالث الذي يعرفه أي من العاملين بالجامعات هو هذا النشاط اللافت في السنوات الأخيرة للإنشاءات، تبليط الأرضيات وتغيير المواسير وطلاء الجدران، يحدث ذلك سنويا أحيانا، وتصرف أموال طائلة في عمليات التجديد تلك. وقد يبدو الأمر إيجابيا فمن يكره أن يكون مكان عمله نظيفا وجميلا وجديدا، ولكن المعامل والمكتبات والأجهزة تعاني من تدهور يفوق الخيال، ويصعّب العملية التعليمية وقد ينفيها. وهنا تتسق الجامعة مع توجه عام في الدولة ككل حيث الواجهة هي الأساس، واجهة الديمقراطية أهم من الديمقراطية، وواجهة النهضة أهم من النهضة، وواجهة الثقافة أهم من الثقافة، وواجهة التنمية أهم من فعل التنمية ذاته، وهنا أيضا واجهة الجامعة أهم من منجزها التعليمي والتربوي والبحثي. واقعة: في كلمته في العيد الخمسين لإنشاء إحدى كليات الآداب انشغل العميد (أي خليفة طه حسين ومهدي علام في عمادة كلية للدراسات الإنسانية بسرد إنجازه في أعمال السباكة والنجارة والطلاء!)

   باختصار، بين نظام تعليمي يقتل الطاقات البحثية في مهدها، وأولويات مختلّة أو فاسدة، ومصالح تتواطأ بحماية السارق أو بالتلاعب بمصالح الوطن، يجد الأكاديميون المهمومون بأدائهم التعليمي والتربوي والبحثي أنفسهم في وضع القابض على جمرة من نار، أو على طريقة بلال يهتف بما يؤمن به والحجر الملتهب على صدره.

 

غياب نقابة لأساتذة الجامعات

   من مهام النقابة أي نقابة الارتقاء بالمهنة والدفاع عن مصالح العاملين فيها. ونعرف أن للعمال نقاباتهم، عمال الغزل النسيج، عمال الحديد والصلب، عمال هذه الصنعة أو تلك، وللمعلمين في المدارس نقابة، وللمهن التمثيلية نقابة، وللأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين والصحفيين...إلخ. نقاباتهم التي تمثِّلهم وتعبِّر عنهم، بما يرضيهم أو لا يرضيهم. ولكن أساتذة الجامعات على ما يبدو، لم يشبّوا عن الطوق بما يسمح أن تكون لهم نقابتهم. حاولنا على مدى عقود وكانت المحاولة دائما تصطدم بعراقيل متعددة حتى ليبدو أن النقابة تنظيم إرهابي يهدد الأمن العام. ولذلك لم يجد الأساتذة سوى نواديهم المتواضعة لكي يرفعوا صوتهم كلما جدّ داعٍ لذلك. ربما تمكنّا لو كانت لنا نقابة، من أن نسعى من خلالها إلى الارتقاء بمستوى مهنتنا ومواجهة التدهور المستمر في أوضاع الجامعة، ربما استطعنا رفع الصوت الجماعي المؤثر ضد إلغاء انتخابات العمادة دون استشارة أحد منا، أو تقسيم العام الدراسي إلى فصلين وتنفيذ ذلك رغم اعتراض مجالس أقسام وكليات عديدة عندما نوقش مشروع القرار. (فُرض نظام الفصلين الدراسيين قسرا على برامج تعليمية مصمّمة لتدريسها في عام من تسعة أشهر. والقرار على ما يبدو حل أمني للنشاط الطلابي السياسي الذي كان موسمه تاريخياً في ديسمبر ويناير من كل عام، وهما الآن شهرا امتحانات الفصل الدراسي الأول!) ربما كانت هذه النقابة تعلن إضرابا لكافة الأساتذة احتجاجا على قتل الشرطة لطالب بجامعة الإسكندرية أثناء مشاركته في مظاهرة، ربما أتاحت لنا النقابة شكلا من اشكال الرد الجماعي المسئول على قيام ضابط شاب في الثالثة والعشرين من عمره بالاعتداء بالضرب على أستاذ في الخمسين من عمره في جامعة عين شمس وتمزيق ثيابه (وهو ما حدث مؤخراً داخل الحرم، فلم تفعل إدارة الجامعة سوى محاولة "التهدئة"، وعندما لم تهدأ الأمور انقلبت الآية والموازين ولوّحت الإدارة للاستاذ بتقديمه لمجلس تأديب!) هذه أيضا واقعة تخصني بشكل مباشر، فالمضروب زميل لي يعمل في نفس القسم الذي أعمل به، والضارب من حراس كلية الآداب جامعة عين شمس، أي الكلية الي عملت فيها لأكثر من خمسة وثلاثين عاما. ولكن "النقابة لا"، و"لا للنقابة" هو موقف الإدارة المبدئي، ربما تحديدا لأن التجاوزات التي تستدعي رفع الصوت صارت كثيرة وستزداد!!

 

الجامعات الخاصة والجامعات الأجنبية

   شهد العقدان الأخيران تكاثر إنشاء جامعات خاصة، بعضها يقبل أساسا من لا تتيح له معدّلات نجاحه في الثانوية العامة الدراسة في جامعات الدولة، وبعضها الآخر أجنبي وهي كلها على ما بينها من اختلافات تقوم على فكرة التعليم بوصفه سلعة.

   وتعاني الجامعات المصرية الخاصة من نفس مشاكل جامعات الدولة، وهي كما قلت في حديث سابق لي: "مجرد مشروعات استثمارية وجدت أرضية خصبة في العرض والطلب وارتفاع المعدلات المطلوبة في الجامعات المجانية" وهي جامعات: "غير قادرة ولا نية لديها للتورّط في مشروع ثقافي كبير كذلك الذي يعنيه تأسيس جامعة، ولا فيما تتطلبه الجامعة أي جامعة، من شروط، بل نجدها محكومة بنفس شروط واقعنا المأزوم، وبنوعية الأثرياء الذين يمولونها، إنها في تقديري، مشروع فاشل لا يحل مشكلة التعليم في الجامعات العامة بل بكل بساطة يعقدّها." (من حديث لي في جامعة القاهرة في يوم 9 مارس، عيد استقلال الجامعة).

   أما الجامعات الأجنبية (الجامعة الأمريكية والجامعة الفرنسية والألمانية، ومؤخراً الإنجليزية وجامعة الأهرام الكندية في طور الإنشاء) فلأنها نتاج لمجتمعات رأسمالية متقدمة فهي تعتني بالسلعة لتدخل بها في سوق المنافسة. ورغم أن جامعاتنا "المجانية" تسير مهرولةً باتجاه تسليع التعليم (ليس فقط بإنشاء أقسام مميّزة بمصروفات، في داخل الكليات "المجانية: تجارة إنجليزي، حقوق فرنسي، سياسة واقتصاد إنجليزي وفرنسي...إلخ ولكن أيضاً بمنطق تجاري فج غالبا، يتبدى في تفاصيل كثيرة) إلا أنها لا تصمد في المنافسة. تستقطب الجامعات الأجنبية أبناء وبنات الصفوة فيتجه الميسورون من الأهالي من منطلق "إنجُ برأسك" إلى الجامعات الأجنبية، مما يحقق لهم الإفلات الجزئي من كارثة التعليم في جامعات الدولة، ويضمن إعادة إنتاج التمايز الاجتماعي. يحصل أولاد الأثرياء على تعليم أفضل، فيكونون أكفأ وأكثر جدارة في الحصول على الوظائف الأهم. (وهو الأمر الذي يبدأ في المرحلة السابقة حيث الشهادات الأجنبية البريطانية والأمريكية والألمانية). ومع هذه الجامعات يترسخ مجدّداً الوعي الكولونيالي القديم بأن السلعة الأجنبية هي الأفضل.

 

الإصلاح

وماذا عن الإصلاح: أتبع السؤال بسؤال ثان: هل يمكن إصلاح الجامعة دون إصلاح التعليم في المدارس؟ وهل يمكن إصلاح التعليم عموما في المدارس والجامعات في واقع تجاري فج مأزوم يشيّئ البشر ويقيّدهم ويهدر طاقاتهم؟ لا إصلاح للجامعة دون إصلاح جذري شامل كامل للنظام التعليمي في المدارس. ولا إصلاح في التعليم دون إعادة النظر في واقع الأزمة التي نعيش تفاصيلها السياسية والاقصادية والاجتماعية والثقافية. لا إصلاح دون إسقاط المنطق المتحكم في التعليم ككل أي إسقاط مفهوم التعليم كطريق قسري ذي اتجاه واحد على حد قول باولو فريري مؤلف كتاب تربية المقهورين؛ لا يستقيم للبشر أن يزدهروا ويطلقوا العنان لطاقاتهم البنّاءة دون حرية ودون مشاركة، لا نفع في منطق التلقين، ولا نفع في منطق الإملاء والتقييد. ولا بد من أن تكون القيادات الجامعية بالانتخاب، وأن يكون للطلاب تمثيل في مجالس أقسامهم وكلياتهم وجامعاتهم. لا بد أن ترفع الإدارة يدها القابضة، عن النشاط الطلابي، وعن اتحادات الطلاب، بحيث تقدم هذه الاتحادات تمثيلا أصيلا للقواعد الطلابية، ثم أننا نحن الأساتذة نحتاج نقابة نعبر من خلالها عن مطالبنا وأحلامنا فيما يخص الارتقاء بالمهنة وبإدائنا ومصالحنا المادية والعنوية.

   لقد قطعت الجامعة المصرية شوطا منذ إنشائها كمشروع أهلي بتبرعات الأهالي وقروشهم القليلة الكثيرة، وعمّدت مكانتها بدماء طلابها في ثورة 1919، وانتفاضة نوفمبر 1935، وأحداث كوبري عباس في 1946، وشهدائها في حرب القنال عام 1951، وعند غزو العراق الأول في مطلع عام 1991، وقدمت آلاف المعتقلين (من الطلاب والأساتذة) من شتى الاتجاهات دفاعاً عن قضايا الأمة ومنها قضية الحريات والديمقراطية. ثم واقعة أخيرة أذكرها في ختام هذا الحديث: لقاء تم قبل ما يقرب من عشرين عاما بين خمسة أساتذة ورئيس جامعة عين شمس. كنا ذهبنا إليه للاعتراض على قرار بمنع عدد من القيادات الطلابية دخول الجامعة. قال أستاذ التاريخ الحديث بيننا (وهذه واقعة أنقلها بدقة) أنكم تعاقبون الطلاب الغيورين على تاريخ البلاد ومستقبلها، ثم تأتي المرحلة التالية لتمجدوا فعلهم وتشيدوا به وتدرجوه في سجل الكفاح الوطني. ولم يقل رئيس الجامعة آنذاك سوى: ولكننا نحمي الطلاب منهم، ثم أن هناك طالبات استأمننا أهلهن عليهن، وقد يصيبهن أذى جراء تلك القلاقل! لا أريد أن أستدرج في حكي الوقائع فهناك العشرات منها محفورة في ذاكرتي وذاكرة غيري من الأساتذة والطلاب. ولما كنت أعتقد أن لا شيء يضيع، فإن حكاية الجامعة وتفاصيل ما جرى ويجري فيها ستُحكى اليوم وغدا وبعد غد، وإن كانت الآن جزءاً من التاريخ المهمّش والمسكوت عنه فلن يبقى الحال دوماً على ما هو عليه.

 

وختاماً

   عند مدخل جامعة القاهرة (الجامعة الأم) نصب تذكاري من الجرانيت في شكل شعلة، إنه نصب عبد الحكم الجراحي ورفاقه الذين اسشهدوا في انتفاضة الجامعة في نوفمبر 1935. وكثيرا ما يشهد هذا النصب الآن معارك غريبة، إذ يعتليه الطلاب المتظاهرون ويرفعون عليه شعاراتهم، فتقصفهم قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع بغية تفريقهم. لماذا أشير لهذا النصب الآن في ختام الحديث. أردت تسجيل حضوره لأنني أراه الآن أمام عيني، وأردت للقارئ أن يراه فيقرأه كيفما شاء. 

   بدأت بمعنيين لكلمة شجن، وأنهي بمعنيين آخرين للكلمة ذاتها، فالشجن هو أيضا هوى النفس، وهو مجازاً، يحيل لرابطة الرحم والقرابة، وحديثي أنا ابنة الجامعة التي عملت في فيها وارتبطت بها في شبابي وكهولتي، أردت أن يكون حديثي ذا شجون بهذين المعنيين أيضا.

 

رضوى عاشور


 

*  نشر هذا المقال بعنوان "تربية المقهورين" في مجلة وجهات نظر، العدد 37 (يونية 2005).