الحريات الأكاديمية بين المطرقة والسندان

أ.د. عواطف عبد الرحمن

كلية الإعلام – جامعة القاهرة

لا يمكن تناول قضية الحريات الأكاديمية بمعزل عن المنظومة الجامعية سواء فى المجال التعليمى أو البحث العلمى أو الدور المجتمعى للجامعة وإذا كانت هناك مظاهر ساطعة لغياب وتراجع الحريات الأكاديمية فى الجامعات المصرية فإن هذه المظاهر ليست سوى أعراض خارجية للأزمة الشاملة للجامعات المصرية ولا شك أن الاحاطة بالأبعاد الحقيقية لهذه الأزمة يستلزم أن تتتبع جذورها ونتقصى أسبابها ونرصد تجلياتها بدقة سعياً للتوصل إلى استشراف آفاق التحرر والانفراج للخروج من هذا المأزق الذى يحاصرنا جميعاً كمواطنين أولاً ثم أكاديميين.

لقد أكد إعلان مؤتمر الحريات الأكاديمية واستقلال الجامعات فى البلاد العربية الذى عقد فى الأردن فى نهاية العام الماضى أن هناك جملة أسباب أدت إلى خروج الجامعات العربية من أجندة الجامعات العالمية يتصدرها السبب السياسى الذى يعزى إلى الاصرار الدائم من جانب الحكومات العربية على تحويل الجامعات إلى فناء خلفى للسلطة السياسية بمعنى حصر دور الجامعات فى اعداد كوادر علمية تدين بالولاء للحكومات وقد أفرزت تلك السياسات العديد من السلبيات أبرزها ضمور البحث وتراجعه الملحوظ فى مختلف التخصصات وفروع المعرفة العلمية علاوة على نمطية العملية التعليمية واعتمادها على النقل والمحاكاة والاقتباس والتلقين وإعادة إنتاج النصوص المتقادمة والمتآكلة من تاريخ العلوم وقصور الجامعة عن المشاركة الفعالة والجادة فى تلبية الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية للمجتمع وقد يفسر لنا ذلك سر التناقض بين حجم الاستثمارات فى مجال التعليم فى العقود الخمسة الماضية وبين ضآلة المردود سواء فى تطوير الكفاءات والخبرات العلمية أو رفع الكفاءة الإنتاجية للمجتمع أو ترويج الثقافة العلمية ونشر التفكير العلمى ومحاربة الفكر الخرافى والشعوذة فضلاً عن النهوص باليبئة الطبيعية والبشرية (كفاءة وإنتاجاً وفكراً وابداعاً).

ورغم الجدل الذى يثار حول مصطلح الحريات الأكاديمية وحول الهامش المسموح به للمجتمع الأكاديمي إلا أن الحرية الأكاديمية تعنى فى جوهرها أولاً احترام استقلالية المؤسسات التعليمية والعلمية وعدم إخضاع برنامج عملها أو إدارتها أو تنظيم شئونها لتدخلات السلطة الحاكمة أو سطوة المؤسسات الدينية أو هيمنة أباطرة السوق والنفوذ الاقتصادى. وتتضمن هذه الاستقلالية منظومة من الحقوق الأساسية نجملها على النحو التالى:

أولاً: مساواة جميع أفراد المجتمع ذوى الكفاءات فى فرص الالتحاق بالسلك الأكاديمى والاعتراف بحقوق جميع أعضاء المجتمع الأكاديمى من أساتذة وباحثين وطلاب وإداريين فى ممارسة نشاطاتهم دون تمييز أو تدخل خارجى أو تغيير من جانب السلطات المحلية أو الأجنبية. كما تؤكد هذه الاستقلالية على ضمان ممارسة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى نصت عليها مواثيق حقوق الإنسان مثل حرية التفكير والضمير والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات أو الانتماء إليها وكذلك الحق فى الأمن وحرية التنقل.

ثانيا: تعيين وترقية ومحاسبة أعضاء المجتمع الأكاديمى من خلال قوانين ولوائح مهنية تحت اشراف هيئات جامعية منتخبة. ولا يحق فصل أى أكاديمى دون أن يسمح له بالدفاع عن نفسه أمام هذه الهيئات الجامعية وليس أمام محاكم أمن الدولة أو المحاكم العسكرية.

ثالثاً: حق أعضاء المجتمع الأكاديمى فى إقامة علاقات التواصل العلمى مع الجامعات الأخرى وحق المشاركة فى صياغة المعايير المهنية داخل جامعاتهم وضرورة النص فى الدساتير على حماية الحقوق والحريات الأكاديمية الفردية والجماعية التى نصت عليها العديد من المواثيق والتشريعات الدولية مثل المعاهدة الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية التى تمنع الدولة من المساس بحقوق الانسان فى سبيل مصالحها وتفصيلا لذلك هناك ثلاث مستويات للحقوق الأكاديمية تتصدرها أولاً حقوق الأساتذة فى الجامعات والأكاديميات وتشمل حقهم فى التدريس والتعليم والتعلم والبحث والابداع وحرية التفكير والتعبير والمناقشة والمجادلة وحرية اختيار وإجراء البحوث ونشر نتائجها دون رقابة أو حذف أو تعديل أو عقاب ويجب على الأساتذة عدم لوى نتائج بحوثهم كى تخدم أهداف سياسية أو تساير الاتجاهات السائدة فى المؤسسات الدينية ويصبح الأستاذ جديراً بموقعه الأكاديمى طالما هو مؤهل لذلك من خلال الوفاء بالتزاماته التعليمية وسعيه لاكتشاف الجديد فى بحوثه العلمية وإدراكه لحقوقه الأكاديمية وتمسكه بممارستها.

ثانيا: الحقوق والحريات الأكاديمية للطلاب وتشمل الحق فى تلقى العلم بصورة صحيحة متكاملة وغير مشوهه وتتضمن حصانة للطلاب تضمن لهم عدم التشهير بهم أو استغلال أخطائهم. كما تتضمن حرية الطلبة فى اختيار المواد التى يدرسونها وتعطى لهم كل الحرية فى تنمية أفكارهم ومعتقداتهم واتجاهاتهم المستقلة دون ضغط من جانب أساتذتهم وأيضاً من المؤسسة الجامعية التى ينتمون إليها ولهم الحق فى التعليم بالطريقة التى تنمى قدراتهم الإبداعية وأيضاً قبول أو رفض أراء أساتذتهم والاختلاف معهم. والموضوع الوحيد الملزم للطلبة هو تقييمهم من خلال الانتخابات غير النمطية. ولهم أيضاً الحق فى ممارسة أنشطتهم الثقافية والإجتماعية واختيار ممثليهم وتكوين إتحاداتهم الطلابية دون وصاية أو رقابة من أى نوع.

أما المستوى الثالث فهو ينص على الحقوق الأكاديمية للمؤسسة الجامعية ذاتها التى لها كامل الحرية فى صنع سياستها التعليمية والإدارية والمالية ووضع السياسات والشروط التى على أساسها يتم اختيار وترقية أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم دون رقابة أو تحكم أو اعتراض من خارج المؤسسة التعليمية مهما كانت تلك الجهة. كذلك للمؤسسة الأكاديمية الحق فى تقييم الأساتذة ليس حسب معتقداتهم الشخصية أو اتجاهاتهم السياسية ولكن طبقاً للمعايير العلمية والمهنية المتعارف عليها فى الجامعات. وللمؤسسات الأكاديمية الحق فى اختيار قياداتها عن طريق الانتخاب الحر دون قيود أو اعتراضات من خارجها كما تؤكد على ضمانات الاستقلال المالى والإدارى للجامعات.

هذا ويتضمن الشق الآخر من منظومة الحقوق الأكاديمية مجموعة من الالتزامات والمسئوليات الأخلاقية تتمثل فى الالتزام بتكريس البحوث العلمية لخدمة المجتمع والارتقاء بالحضارة الإنسانية وحظر أى تلاعب أو استخدام سلبى للعلم أو التكنولوجيا والسعى لتلبية ضرورات التقدم والنهوض بالمجتمع ككل وليس الاقتصار على خدمة فئة اجتماعية أو طائفة دينية أو مراكز نفوذ سياسية أو اقتصادية وضرورة الالتزام بالمعايير المهنية والعلمية ونشر الثقافة العلمية ومحاربة الشعوذة والخرافات وإدانة كافة أشكال القمع السياسى والظلم الاجتماعى.

تاريخ الحريات الأكاديمية:

رغم أن الحرية الاكاديمية تعد جزءاً أصيلاً من التراث الفكرى والدستورى والقانونى لحقوق الانسان إلا أنه لا يوجد حتى اليوم وثيقة دولية تنص صراحة على الحرية الأكاديمية وأن كانت متضمنة فى العديد من المواثيق الدولية التى تنص على الحق فى حرية الفكر والرأى والتعبير وحركة تكوين الجمعيات والاجتماع والتجمع كما أن مبدأ الحرية الأكاديمية مشتق فى أحد جوانبه من الحق فى التعليم وهو حق معترف به دولياً يؤكده الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والعقد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى صادقت عليه مصر. هذا وقد شهدت حقبة الثمانينات العديد من المبادرات من جانب الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التى سلطت الضوء على قضية الحريات الأكاديمية وقد أسفرت هذه المبادرات عن مجموعة من الوثائق الهامة أبرزها ميثاق حقوق وواجبات الحرية الأكاديمية الذى اصدرته الرابطة الدولية لأساتذة الجامعات فى مؤتمرها بفيينا عام 1982 والميثاق الأعظم للجامعات الأوربية الصادرة عام 1988 عن مؤتمر بولونيا بإيطاليا وإعلان ليما للحريات الأكاديمية الذى أصدرته الهيئة العامة للخدمة الجامعية العالمية عن مؤتمرها عام 1988. أما حقبة التسعينات فقد شهدت العديد من المؤتمرات التى كثفت اهتمامها بالحريات الأكاديمية وأصدرت العديد من الوثائق مثل إعلام دار السلام عام 1990 وفى نفس العام صدر إعلان كمبالا عن ندوة الحرية الأكاديمية ثم نظم مركز حقوق الإنسان البولندى مؤتمراً فى يوزنان عام 1993 صدر عنه إعلان للحريات الأكاديمية.

مظاهر الانتهاك الأكاديمى فى مصر:

عندما نتأمل أوضاع الجامعات فى مصر والتى كانت تعد من الناحية التاريخية رائدة فى مجال التعليم فى العالم العربى نلاحظ أن هذه الجامعات تعانى من أزمة متعددة الأبعاد تتجسد فى كثير من الفواجع التى طالت ركائزها الفكرية والعلمية والبشرية إذ يشير المشهد الجامعى إلى العديد من القصورات البنيوية والانتكاسات الفادحة التى تثير القلق والانزعاج ولعل الاعتداء على الحريات الأكاديمية أكثرها بروزاً وأقدمها تاريخاً فقد بدأت الحرب ضد المؤسسات الجامعية منذ نشأتها فى مستهل القرن العشرين من أجل سلب دورها الفكرى وتحويلها إلى مؤسسة لإعداد وتخريج الكوادر التكنوقراطية المتخصصة فى مجالات المعرفة المختلفة سواء فى القانون أو الطب أو الهندسة والزراعة. لذلك واجهت الجامعة منذ بدايتها ضغوطاً شديدة من جانب المؤسستين الحاكمتين فى مصر السلطة السياسية والمؤسسة الدينية التقليدية. وتكمن المشكلة الحقيقية لهذه المؤسسة الأكاديمية منذ اللحظة الأولى لميلادها أنها خرجت إلى النور كاستجابة موضوعية لتلبية احتياجات المجتمع المصرى وتطلعاته للمعرفة والعلم ولكنها حوصرت بقيود سياسية ودينية استهدفت تحجيم دورها الفكرى والثقافى مع الحرص على استبقاء دورها التقنى فحسب ويمكن الاستشهاد هنا بمعركة طه حسين وكتابه (فى الشعر الجاهلى) حيث أمكن وأد أى محاولة للقيام بدور فكرى من جانب هذه المؤسسة العلمية بعد عام 1925 ولكن لم يحل ذلك دون استمرار الجامعة فى مقاومة الضغوط الحكومية حتى قيام ثورة يوليو 1952 حيث تعرضت لهجوم مباغت من جانب القيادة السياسية للثورة تمثل فى موجات متتالية من العدوان الشرس الذى استهدف ترويض تلك المؤسسة الأكاديمية وإخضاعها لنفوذ السلطة السياسية الحاكمة.

فقد تعرضت الجامعات المصرية لانتكاسة غير مسبوقة عام 1954 عندما طردت حكومة ثورة يوليو أكثر من خمسين أستاذاً جامعياً فى إطار ما عرف آنذاك بتطهير الجامعات من العناصر الليبرالية واليسارية والإسلامية غير الموالية لثورة يوليو ثم جاءت الهجمة الثانية فى مطلع الثمانينات حين أبعد السادات 67 أستاذاً جامعياً بحجة أنهم معارضه ويعملون على إثارة الفتنة الطائفية. وقد كان لهاتين الهجمتين آثاراً سلبية لا تزال تعانى منها الجامعات المصرية حتى اليوم إذ نشرت الخوف والانصياع يبن صفوف الجامعيين كما أهدرت هيبة الأستاذ الجامعى وأدت إلى تقزيم مكانته الاجتماعية والمهنية ونجحت فى إظهاره أمام الرأى العام كموظف مستضعف مستذل مثل آلاف المستخدمين فى أروقة الحكومة ودواوينها. ولم تكتف السلطة السياسية الحاكمة بذلك القدر من الإهدار لدور الجامعة الفكرى والثقافى بل سعت إلى إحكام سيطرتها من خلال حرمان الجامعيين من حقهم المشروع فى اختيار قياداتهم إذ فرضت عليهم قيادات لا تعبر عن أمانيهم أو طموحاتهم بل تدين بالولاء الكامل للسلطة السياسية ومؤسستها الأمنية. وغابت النماذج القيادية البارزة التى أصبحت جزءاً من تاريخ الجامعة الذى استضاء بأسماء لطفى السيد رئيس الجامعة الذى استقال احتجاجاً على نقل أحد أساتذتها وطه حسين الذى رفض أن تمنح كلية الآداب عندما كان عميداً لها درجة الدكتوراه الفخرية لرئيس الوزراء آنذاك. ولعل المؤسف فى الأمر خضوع واستسلام الغالبية العظمى من أساتذة الجامعات لهذا الوضع المهين الذى سلبهم حقهم المشروع فى اختيار قياداتهم.

لقد طال القمع الحكومى جميع الجوانب الأساسية للحياة الجامعية سواء فى التدريس أو البحوث أو الأنشطة الطلابية واخترق الحزب الحاكم الساحة الجامعية بضراوة غير مسبوقة محطماً كل الحواجز القانونية والأخلاقية ومفسحاً الطريق للتيارات الدينية السلفية بعد أن أحرز نجاحاً ملحوظاً فى استبعاد القوى السياسية المدنية مسنوداً بحراب الأمن واختراقاته الفجة لحصون العلم وأروقته سواء فى قاعات الدرس أو الندوات الطلابية وصولاً إلى لجان التحكيم الأكاديمية. وقد نجح هذا التزاوج غير المقدس بين الحزب الحاكم وأجهزته الأمنية والتيارات الدينية السلفية المعادية للاستنارة الفكرية والاجتماعية فى نشر التعتيم والجمود ومطاردة الاجتهاد ومحاربة المخالفين فى الرأى وهنا تبرز حالة نصر حامد أبو زيد كنموذج صارخ للقمع الفكرى حيث ترك هذا الجامعى المستنير وحيداً فى مواجهة دعاة الجمود وأعداء الاستنارة الذين استخدموا سلاح التكفير فى تشويه السمعة العلمية.

لهذا الباحث الشجاع والتى انتهت بتركه الجامعة إلى منفاه الاختيارى فى هولندا وظل هذا الدرس يحفر خطوطه السوداء فى ذاكرة الأجيال الجديدة من الجامعيين يحذرهم من الاجتهاد أو الاقتراب من الخطوط الحمراء التى تتمحور حول قضايا السياسية والدين والجنس. وقد أدى القمع المستمر على مدى سنوات إلى خلق مناخ من الرقابة الذاتية فى الجامعات المصرية مما ألحق أضراراً بالغة بالتعليم الجامعى لا يقل عن ضرر القمع المباشر إذ كف معظم الأكاديميين المصريين عن مقاومة انتهاكات الحرية الأكاديمية بل أصبحوا فى حالة تصالح معها. وقد أدى الافتقار إلى الإعتمادات المالية الكافية مضافاً إليها هبوط الأداء الإدارى فى الجامعات إلى تردى المرافق الجامعية المتمثلة فى المبانى والمعامل والمكتبات والأخطر من ذلك انحسار وتراجع البحث العلمى بسبب انخفاض الميزانيات المخصصة للبحوث والمؤتمرات العلمية والتركيز على الأنشطة الاحتفالية المظهرية ويجدر هنا الإشارة إلى الموارد المالية الفلكية التى تجنيها الجامعة من التعليم المفتوح وكنا نتوقع تخصيصها للنهوض بالبحث العلمى وتطوير العملية التعليمية ولكن لم يحدث سوى منح بعض الفئات للمشاركين من الأساتذة فى التعليم المفتوح ولا ندرى أين تذهب ميزانيات وعوائد التعليم المفتوح فى ظل غياب الرقابة المالية وسلبية المجالس الجامعية.

ولا يكتمل الحديث عن الحريات الأكاديمية دون التطرق إلى الحركة الطلابية فى الجامعات المصرية والتى تتمتع بتاريخ وطنى مرموق حيث شاركت عبره جموع الطلاب الجامعيين فى الحركات الوطنية للمطالبة بالاستقلال والسيادة الوطنية والتغيير الإجتماعى وسجلت مسيرة زاخرة بالبطولات والشهداء. وهناك مفارقة مثيرة للدهشة والأسى معاً وتتمثل فى موقف القيادة السياسية التى وافقت عام 1968 على إصدار اللائحة الطلابية التي تتيح للطلاب حق العمل السياسي وذلك عقب المظاهرات التى قام بها طلاب الجامعات احتجاجاً على الأحكام الصادرة بشأن من تسببوا فى نكسة يونيو 1967 فيما انعكس الوضع عقب العبور العظيم بإعلان سياسة الانفتاح الإقتصادى ومشاركة الطلاب فى مظاهرات يناير 1977 احتجاجاً على غلاء الأسعار فى الانتفاضة الشعبية التى أطلق عليها السادات (انتفاضة الحرامية) وكان عقابهم صدور اللائحة الطلابية الحالية عام 1979 والتى استهدفت حرمان الطلاب وتجريدهم من حقوقهم فى العمل السياسي ووضعهم تحت وصاية الأساتذة ورقابة الأمن وأصبح النشاط السياسى والثقافى الجاد محظوراً فى الجامعات منذ ذلك الوقت. وتركت الساحات الجامعية لنشاط الجوالة والرحلات وفرق الترفيه الفنى ونشاط الجامعات الإسلامية وكانت المحصلة ظهور أجيال من الشباب الجامعى التائه المفتقر للوعى والانتماء والذى يتطلع إلى فرصة الهجرة من الوطن بأى وسيلة.

لقد كان من شأن تفشى الانتهاكات للحقوق الأكاديمية لكل من الأساتذة والطلاب على أيدى الأطراف الفاعلة الحكومية والأمنية والتيارات الدينية السلفية انتشار الخوف بين صفوف الأكاديميين وانحسار الجرأة وتراجع القدرة على المبادرة والإبداع مما خلق مناخاً تعليمياً يفتقر إلى الجدية والعمق ويروج للسطحية والضحالة والانتهازية. الأمر الذى يمثل عائقاً حقيقياً أمام تجديد المعرفة العلمية كما يصيب العقل الأكاديمى بتشوهات وقصورات تؤثر بالسلب على مجمل الواقع المجتمعى إنتاجاً وفكراً وثقافة وابداعاً.

التحرر الأكاديمى- الشروط والآفاق

لا شك أن تحرير الجامعات من وصاية السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية يعد نقطة الانطلاق الأولى لتحقيق التحرر الأكاديمى بمعناه الشامل ذلك أن استقلال الجامعات يعنى فى جوهره أن تصبح الجامعات مؤسسات علمية أكاديمية فى المقام الأول ولا تستخدم كرديف أو كمستودع لإعداد كوادر نخبوية تتولى وظائف وزارية أو سياسية وبمعنى آخر أن تتفرغ الجامعات لإنتاج المعرفة العلمية وتطويرها وتزويد المجتمع بالكوادر الفنية المتخصصة إذ أثبتت خبرة العقود الخمسة الماضية أن تحويل الجامعة إلى حقل احتياطى لتوريد عناصر النخبة السياسية قد جاء على حساب الوظيفة الأساسية للجامعة كمؤسسة أكاديمية ومن ثم أصبح الطموح الأساسى للأكاديميين السعى خلف المناصب الوزارية وليس الحرص على الإبداع العلمى أو تطوير المعرفة العلمية فقد تم إهدار الدور الأكاديمي للجامعات لصالح السلطة السياسية بعد أن حدث الخلط بين السياسة والاكاديمى. وقد ترتب على ذلك الوضع نشوء صراع مستتر بين وقوع الجامعة فى قبضة السلطة السياسية وبين ضمان استمرار دورها الأكاديمى الذى يكفل احترام حقوق الأكاديميين ويوفر لهم المناخ الملائم لممارسة حريتهم فى إنتاج المعرفة العلمية والواقع يشير إلى استحالة حسم هذا الصراع لصالح المنظومة الجامعية وفي قلبها الحريات الأكاديمية ما لم يحدث تقدم محسوس على جبهتين رئيسيتين أولهما ضمان حدوث تحول ديموقراطى حاسم فى مصر يستند إلى قانون المواطنة وسيادة الأمة وحماية القانون لحقوق الموطنين فى المشاركة وفى الحرية وثانيهما جبهة التجديد الفكرى والثقافى ويتناول بصورة خاصة المؤسسة الدينية والنخب الثقافية والأكاديمية ويستهدف تحريرها من التبعية والاستسلام للسلطة السياسية. ولكى لا يساء استخدام الحريات الأكاديمية لتحقيق أهداف غير علمية وغير تربوية وإنما للحفاظ على الدور العلمى والفكرى للجامعة فى إطار استقلالها الحقيقى عن مراكز النفوذ السياسى والاقتصادى والدينى لابد من توفر عدة شروط أساسية أولها ضمان الحياة الكريمة للأكاديميين وحمايتهم من اللهاث خلف المناصب ومصادر الرزق خارج الجامعة وثانيها تزويد الأكاديميين بالوعى الأخلاقى والمهنى والسياسى الذى يمكنهم من ادراك حقوقهم الأكاديمية والحفاظ عليها واحترام الالتزامات الضمنية التى تنطوى عليها أما الشرط الثالث فهو يتعلق بتحرير العملية التعليمية من الأساليب التقليدية العقيمة سواء فى المحاضرات أو الامتحانات وإطلاق حرية البحث العلمى بتوفير الامكانيات المادية وتفرغ الباحثين وخلق المناخ العلمى السوى وتشجيع المبادرات الابداعية ويرتهن الشرط الأخير بتحرير الحركة الطلابية من القيود الأمنية وإشراكها فى تعديل اللوائح التى تنظم الأنشطة الثقافية والاجتماعية للطلاب وممارسة حقهم فى اختيار ممثليهم دون ضغوط أو تهديد.

وهكذا يبدو لنا أن احترام الحقوق والحريات الأكاديمية ليست مسألة مجردة ولا هدفا سهل التحقيق فى مجتمع تعانى مؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية من قصورات وتشوهات عميقة.