|
تقنين حق الاختلاف داخل الجامعة د. سالـم ســلام أستاذ طب الأطفال بجامعة المنيا يقول مولانا الإمام الشافعي " رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرنا خطأ يحتمل الصواب " ، ويقول فقيه الإسلام الإمام "أبو حنيفة" " رأينا هذا هو أفضل ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه " على مدى السنوات الماضية أثيرت على صفحات الجرائد بعض قضايا الانحراف داخل غالبية الجامعات المصرية ، وبهذا الصدد تكرر سيناريو محدد ملخصة أن يقوم أحد الصحفيين بنشر تحقيق صحفي عن فساد أو إساءة لاستخدام السلطة داخل جامعة ما ويحدد المصادر التي استقى منها معلوماته ويكون ـ عاده ـ من ضمن هذه المصادر بعض الأساتذة داخل الجامعة نفسها ، وفي نهاية التحقيق يناشد الصحفي وزير التعليم العالي بالتحقيق فيما نشره ، وبعد عدة أيام يرد الوزير ـ وفي الغالب ـ يكون رده مكون من مقدمة توضح حرصه على التحقيق في أي شكوى وعدم السكوت عن أي انحراف أو فساد أو إساءة لاستخدام السلطة داخل الجامعة وكيف أن سيادته طلب من رئيس الجامعة المختص ـ على اعتبار أن الجامعات كيانات مستقلة ـ الرد على ماجاء بالتحقيق ، ثم يرفق بهذه المقدمة ما ورد فعلياً من ايضاحات أرسلها رئيس الجامعة ، وعادة لا ينتهي الأمر عند هذا الحد .. بل غالباً ما يحيل رئيس الجامعة الأستاذ أو الأساتذة الذين أمدوا الصحفي بمعلوماته إلى التحقيق لمساسهم بالاحترام والتقدير الواجب للقيادات الجامعية ولنقلهم مشاكل الجامعة لخارجها ( الصحافة) ، وتتصاعد الأمور أكثر أحياناً ليتم حالة هؤلاء المشاغبين إلى التحقيق الذي يتولاه سيادة المستشار القانوني للجامعة أو لرئيس الجامعة نفسه والذي ينحاز غالباً لموقف رئيس الجامعة ويكيف الأمور طبقاً لرؤيته ، حيث يأخذ سيادته راتبه من رئيس الجامعة ولا يخضع عمله أو فتاوية أو تحقيقاته لرقابة أية جهة قضائية كالتفتيش القضائي مثلاً ، وربما يحال الأستاذ أو الأساتذة المشاغبين لمجلس تأديب ، وتتصاعد وقتها صيحات عاقلة تتساءل هل كان لابد وأن ينقل الموضوع خارج الجامعة ؟ وألم يكن من الأجدى حل الموضوع داخلياً.. داخل مؤسسة الجامعة نفسها ؟ . ولكي نتجنب ذلك كله يجب توفير ميكانيزم محدد وواضح للتحقيق في أي تجاوز أو شبه فساد أو استغلال للنفوذ داخل الجامعة، بحيث يضمن هذا الميكانيزم ألا يتعرض من يتصدى للانحراف لأية مضايقات أو إجراءات انتقامية طالما كان جاداً ولدية الإثبات اللازم . الوضع الحالي الذي أوضحناه يجعل رئيس الجامعة خصم وحكم رغم أن رؤساء الجامعات بشر يمكن أن يخطئوا . نريد ميكانيزم واضح محدد مقنن يقر وينظم حق أعضاء هيئة التدريس في تقديم شكاوى لجهة ما مستقلة داخل الجامعة على أن تكون هذه الجهة او اللجنة مستقلة ولا تخضع في عملها لرئيس الجامعة أو للوزير وينظم عملها وحماية استقلالها وحيادها مادة واضحة في قانون تنظيم الجامعات الموحد الجديد ، ويا حبذا لو تشكلت هذه اللجنة بالانتخاب من أعضاء التدريس من غير الطامحين في تولي أية مناصب قيادية ، ويحق لهذه اللجنة إجراء التحقيقات والاستعانة بقانونين مستقلين غير تابعين للإدارة الجامعية ويتاح لأعضاء هيئة التدريس التقدم لهذه اللجنة بما لديهم من إثباتات وأن تقوم لجنة " تنظيم الخلاف " هذه بالتحقيق في هذه الشكاوى خلال فترة لا تتجاوز ستون يوماً ودون أن يقع أي ضرر على عضو هيئة التدريس بسبب ذلك طالما أنه يجتهد للصالح العام ، وحتى لو جانب الصواب عضو هيئة التدريس في شكواه نكون قد اكتسابنا شفافية داخل الجامعات نحتاج إليها كثيراً. إن حق الاختلاف في الرأي داخل الجامعة هو الفريضة الغائبة في عملية تطوير الجامعة ، فكل من يقول برأي مخالف لقيادة جامعته يحال ـ كما أوضحنا ـ للتحقيق بحجة الإخلال بالاحترام الواجب للقيادات الجامعية أو بتهمة التخابر مع الصحافة ويتعرض للاضطهاد طبقاً للميكانيزمات التي أوضحناها أيضاً ، و لقد آن الأوان لتغيير ذلك كله دعماً للحريات الأكاديمية داخل الجامعة . رؤساء الجامعات ليست لهم قداسة ويمكن أن يخطئوا ، حدث ذلك من قبل مع رؤساء سابقين لجامعات الزقازيق والإسكندرية ولكن ذلك لم يتم الحديث عنه إلا بعد خروجهم وبعد أن أهدروا جهوداً كثيرة في تصفية الحسابات وأدخلوا الجامعات في إشكالات قضائية كثيرة وأهدروا الوقت والإمكانيات والصحة .
|