الحصار الأمني للجامعة

هاني مصطفى الحسيني 

كلية العلوم – جامعة القاهرة

مقدمة: نحاول في هذه الورقة دراسة الوضع الحالي للتواجد الأمني في الجامعات المصرية، فنبدأ بتحليل نظري للعلاقة بين وظائف الجامعة وبين الأمن، ثم نبين واقع التواجد الأمني في الجامعات وأثره على أدائها لوظائفها، وفي النهاية نقدم رؤية لما يجب أن يكون عليه الوضع ومقترحات واقعية للاقتراب من ذلك الوضع المثالي.

1- الجامعة بين الحرية والأمن

تقوم الجامعة بوظيفتين رئيسيتين هما التعليم والبحث العلمي، ويحتاج أداء كلتا الوظيفتين لمقدار كبير من الحرية.

من الواضح لدى الكثيرين ما يحتاجه البحث العلمي من تحرر فكري وقدرة على الخروج عن الأنماط السائدة، لكننا لابد أن نلاحظ  أيضا احتياج البحث العلمي للجوانب المادية للحرية مثل: حرية التنقل (في حضور المؤتمرات مثلا)، حرية الاجتماع والتنظيم (لتكوين روابط علمية قد تكون مؤقتة وتنظيم نقاشات) أو حرية إجراء التجارب والمسوح.

في وظيفتها التعليمية تظهر الجوانب السابقة التي تتيح توفير تعليم أكاديمي يتسم بسعة الأفق وبالمزاوجة بين التعليم النظري واكتساب المعرفة بالحوار والبحث والتجربة، لكن تضاف إليها احتياجات إضافية من الحرية ترتبط بما نسميه "اكتساب المعرفة الاجتماعية"، فالجامعة تستقبل طلابا بين السابعة عشرة والثامنة عشرة من العمر ليتخرجوا وهم في أوائل العشرينيات، وتمثل فترة التعليم الجامعي بالنسبة لهؤلاء الشبان والشابات أهم فترات التكوين المعرفي والاجتماعي، فيتعرفون خلالها على الثقافة العامة والقضايا الوطنية والاجتماعية ويخرجون غالبا متخذين موقعا محددا من تلك القضايا، فيحتاجون للتسلح بمعرفة علمية وثقافة عميقة وقدر من التجربة يساعدهم على التعامل مع تلك القضايا من موقع اجتماعي أكثر ثباتا.

هل هناك دور مطلوب للأمن لتحقيق تلك الحرية؟ أم هل تتعارض الحرية الأكاديمية مع الأمن تعارضا جذريا؟

لعلنا نبدأ بملاحظة أن وجود أفراد أمن يؤدي بالضرورة (في أي مجتمع وتحت أي ظروف) لتقييد الحرية، ومن ناحية أخرى يحتاج استقرار الحريات لجو من السكينة والأمان يمكن أن يساعد الأمن في توفيره، يضاف إلى ذلك ضرورة تأمين المعامل والورش من مخاطر السرقة والحريق إلى آخره، لابد إذن للوصول لنوع من التوازن بين احتياج الجامعة للحرية وحاجتها للأمن كعامل استقرار مادي.

تحتاج الجامعة إذن لتواجد أمني يساعدها على تحقيق وظائفها ولا يتعارض مع الحريات الأساسية المطلوبة لتحقيق تلك الوظائف، فلا يجب أن يكون للأمن أي دور في الرقابة على الفكر، كما لابد ألا يقيد الأمن حريات التنقل والتنظيم والاجتماع وحرية إجراء التجارب والمسوح، كما يجب أن يبتعد تماما عن التدخل في الأنشطة الثقافية والاجتماعية والسياسية للطلاب طالما لا تخالف القوانين ولا تشكل خطرا ماديا على منشآت الجامعة وأفرادها، ومن الواجب أيضا أن يرسخ الأمن الجامعي روح احترام القانون التي تمثل جانبا هاما في تثقيف الطلاب.

2- واقع التدخلات الأمنية في الجامعات المصرية

يتعارض واقع التدخلات الأمنية في الجامعات المصرية تعارضا جذريا مع الأفكار السابقة، فالأجهزة الأمنية تمارس الرقابة والتجسس على الأنشطة الأكاديمية والعامة لأعضاء هيئة التدريس والطلاب، كما تقيد حرية التنقل والاجتماع والتنظيم وإجراء التجارب، بينما لا تقوم بوظيفتها في تأمين المنشآت وتضرب عرض الحائط بالقوانين واللوائح، يزيد على ذلك تدخل تلك الأجهزة الأمنية في صميم الأمور الجامعية مثل تعيين المعيدين وقبول الطلاب. سندلل على تلك العبارات السابقة بأمثلة تفصيلية مأخوذة من كتيب "لا للتدخلات الأمنية" الذي أعدته مجموعة العمل من أجل استقلال الجامعة.

3- مقترحات للحد من دور الأمن

رغم ما يبدو من رضا السلطات الجامعية عن التدخلات والتجاوزات الأمنية، إلا أن من واجب أعضاء هيئة التدريس ألا يتوقفوا عن مناداتها وحثها بكافة السبل على مقاومة تلك التدخلات، وكذلك إظهار معارضتهم لتلك التدخلات في كل مناسبة، ومن أمثلة الوسائل المتاحة:

·      الامتناع عن إبلاغ الأمن والحرس الجامعي بالندوات والاجتماعات.

·      الامتناع عن استئذان الأمن عند دعوة ضيوف من خارج الجامعة.

·      إرسال خطابات احتجاج لإدارة الجامعة لدى كل تدخل أو تجاوز أمني.

·      المشاركة في الوقفات الاحتجاجية ضد التدخلات الأمنية.

·      الاهتمام بمتابعة الأنشطة الطلابية ومواجهة أي اضطهاد أمني للطلاب.

ولا شك أن تلك الوسائل تساعد في تخفيف وطأة التدخلات الأمنية ورفع صوت المعارضة لها، وعلينا ألا نستهين بقدرتنا على مواجهة القهر والتعسف بالوسائل الديمقراطية، فنحن نعلم أن الأباطرة والفراعين يحتاجون لاستكانة الشعوب وسكوتها، وأكثر ما يقلق من يتصور نفسه صاحب سلطة هو قولة لا بصوت عال ودونما وجل.