قوانين الجامعات في خدمة منظومة الفساد الشامل

أ.د. حسام عيسى

جامعة عين شمس

إن أي نظرة فاحصة متأنية لتطوير القوانين التي تحكم الجامعة المصرية في الثلاثين عاما الماضية، تكشف لنا بسهولة أن الهدف الرئيسي لهذه القوانين هو إفراغ الجامعة من أي نشاط سياسي للأساتذة أو الطلاب، و ذلك من خلال إخضاع الجامعات المصرية لسيطرة محكمة من قبل السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وهي السيطرة التي انتهت في الواقع العملي إلى أن تصبح هيمنة كاملة لأجهزة الأمن.

و لقد تدعم هذا الاتجاه بشكل كبير في السنوات العشر الماضية بعد تعديل قانون الجامعات بإلغاء اختيار العمداء من بين الأساتذذة بالانتخاب، بحيث أصبح العمداء يعينون من قبل رئيس الجامعة الذي يعين بدوره بقرار من رئيس الجمهورية بناء على اقتراح وزير التعليم العالي.

وفي الواقع العملي تم تعيين العمداء بعد أخذ رأي أجهزة الأمن، وفي بعض الأحيان تم ذلك بناء على اقتراح مباشر من هذه الأجهزة. ومن البديهي أن اختيارات أجهزة الأمن أو موافقاتها تتم طبقا لمعايير أمنية خالصة وعلى رأسها ارتباط المرشح إما بالحزب الحاكم أو حتى بالأجهزة الأمنية ذاتها، أو استعداده لمثل هذا الارتباط و استعداده لقبول توجيهات أجهزة الأمن في ممارسة لها وظيفة خاصة في كل ما يتعلق بالأنشطة الثقافية و السياسية داخل الجامعة. المهم في كل هذا هو ضمان ما تطلق عليه أجهزة الأمن تعيبر "هدوء الجامعة".

وفي نفس الوقت شهد تنظيم العملية التعليمية تغييرا بالغ الأهمية، وذلك بإعادة تقسيم العام الدراسي إلى فصلين دراسيين ينتهي كل فصل منهما بامتحان يستغرق فيما بين ثلاثة أسابيع وشهر كامل وتعقب الفصل الأول و الامتحانات أجازة نصف العام لمدة أسبوعين، وهي أجازة يمكن أن تطول إذا كانت مسابقة دولية لكرة القدم أو انتخابات رئاسية أو ما شابه. واكب ذلك تعديل في لوائح الاتحادات الطلابية بما يضمن سيطرة إدارات الكليات، ومن خلالها سيطرة الأمن على الانتخابات الطلابية من أجل الوصول إلى نفس الهدف الغالي: هدوء الجامعة.

فإذا أضفنا إلى ذلك السياسات الموضوعة بعناية فيما يتعلق بمرتبات أعضاء هيئات التدريس، و التي نحرص على إبقاء هذه المرتبات في مستويات متدنية للغاية و بشكل مهين .. في مجتمع تصنع فيه الملايين بين ليلة وضحاها بأحط الأساليب وتحت حماية أجهزة الدولة، بل وبواسطتها أحيانا.

فإذا نظرنا الآن إلى المحصلة النهائية لهذه السياسات كما تجسدها قوانين الجامعات سواء تلك التي تتعلق بأعضاء التدريس أو تلك التي تتعلق بالعملية التعليمية أو بالنشاط الطلابي، فسوف نجد أن الهدف المرجو قد تحقق بنجاح وأدى ذلك افراغ الجامعة من أي نشاط سياسي وطني و لكن ما يعنينا هنا هو أن ذلك قد تم بثمن باهظ للغاية .. وهذا الثمن هو أصحاب الجامعة كمؤسسة بحثية و تعليمية .. وإدماجها بالكامل في منظومة الفساد الشامل التي تحكم المجتمع المصري.

فنظام الفصلين أدى في واقع الأمر إلى قتل العملية التعليمية، فالعام الدراسي لم يعد يتعدى على أكثر تقدير خمسة أشهر مقسمة في فصلين، و هذا أمر لا مثيل له على المستوى العالمي.. و هذا أمر يدعو إلى السخرية .. فما الذي يمكن أن يتعلمه طالب في خمسة أشهر.

و لم يعد هذا الأمر يغضب الطلبة.. فالمهم للطالب هو أن يقل حجم المعلومات التي يتلقاها أو التي يلقنها له الأستاذ بعيدا عن أي منهج نقدي عقلاني للبحث.. يعرف من خلاله الطالب كيف يقرأ نقدا و يحللة و كيف يعمل عقله إزاء ما يتلقاه.

و المهم أيضا أن يقل عدد و حجم الكتب التي يتعين عليه – أي الطالب – أن يقرأها، و هو الأمر الذي حققه له النظام الجامعي من خلال ما يعرف اليوم باسم الكتاب الجامعي و هو اختراع ينفرد به النظام الجامعي المصري، حيث لا يقرأ الطالب إلى كتابا مختصرا ردي المظهر و الجوهر يقدهة له أستاذهبمقابل طبعا، و هو مقابل يحتاجه الأستاذ حتى يستطيع مواجهة أعباء الحياه التي لا يكفي مرتبه الضئيل لمواجهتها.

و هكذا أصبح الطلبة و الأساتذة شركاء في منظومة تدهور الجامعات و انحطاط وظيفتها التعليمية التي وضع أسسها النظام الحاكم و وزاراته المختلفة و أجهزته الأمنية الحريصة دائما على هدوء الجامعة.

و لم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث أن متطلبات الحياه قد دفعت أيضا عددا كبيرا من أساتذة الجامعة إلى الانخراط في أنشطة مهنية بعيدا عن الجامعة، الأمر الذي كان عائده السلبي على امكانية التطور العلمي لعدد كبير منهم من ذلك مثلا انشغال أعداد كبيرة من مدرسي القانون بالعمل في مكاتب المحاماه الكبرى بالمخالفة لقانون الجامعة ذاته و إهمالهم الكامل لوجهاتهم البحثية و هذا يعكس في تدني المستويات العلمية للأبحاث الجامعية التي لم تعد تتم إلا لمناسبة عملايات الترقي من درجة إلى أخرى.

و لكن الأخطر من هذا أن عددا من أعضاء هيئات التدريس في الجامعات اكتشف أن الطريق إلى العمادة ثم إلى رئاسة الجامعة، و ربما بعدها الوزارة أو لجنة السياسات لا تتم من خلال اعتراف زملائهم و أقرانهم بهم من خلال العمل العلمي و إنما من خلال رضا أجهزة الدولة و على رأسها لاأجهزة الأمنية بحيث أصبح حلم بعض من صغار المدرسين هو أن ينالوا رضاء أجهزة الدولة بأي ثمن و بأسرع وقت .. و هو ما زاد الطين بله و ضاعف من أزمة الجامعة علمية .. فلم الاهتمام بالعلم و البحث إذا كان هناك طريق آخر للصعود الاجتماعي خاصة في ظل الأوضاع المالية المتدهورة لأعضاء هيئات التدريس.

و هكذا فإن كل العوامل تدفع إلى مزيد من التدهور العلمي للجامعة بل و التدهور الأخلاقي داخلها و لعل أخطر هذه العوامل جميعا هو الشعور الداخلي الذي علا الجميع هؤلاء الذين انخرطوا في منظومة الفساد و هؤلاء الأبطال الذين يقاومون و يحاولون انقاذ الجامعة .. شعور بالمهانة. و هو شعور كان ليقضي على ما بقي من الجامعة.