الموقف الحالي للحريات الأكاديمية

أ.د. عبد الجليل مصطفى

كلية طب قصر العيني

الحرية الأكاديمية هي أولا: حرية المجتمع الأكاديمي أساتذة و طلابا أفرادا و جماعات في متابعة و تطوير و تداول المعرفة من خلال آليات البحث و الإبداع و الدراسة و التدريس و المحاضرة و النقاش و الكتابة و التوثيق. تلك الآليات القائمة عى أساس حرية الرأي و التعبير و التجمع Association و الاجتماع Assembly . و الحرية الأكاديمية هي ثانيا استقلال الجامعات University Autonomy عن أجهزة الدولة في اتخاذ القرارات المنظمة لعملها الأكاديمي و ضوابطه و معاييره و إدارتة بنفسها و هو المقدمة الأساسية لحرية المجتمع الأكاديمي أساتذة و طلابا المشار إليها سابقا. و هذا الاستقلال ضرورى جدا للجامعات فهي المنتدى القادر على الجدل الرشيد حول الموضوعات المثيرة للجدل و التحديات المطروحة على المجتمع و حينما تخضع الجامعة لتدخلات الدولة تعجز عن احتضان كل ذلك فيفقد الفكر جسارته و قدرته على الاختراق و الابداع.

يتضمن استقلال الجامعة سيطرتها الذاتية على شأنها المالي و الإداري و اتخاذ القرارات المنظمة لهما و المحددة لسياستها البحثية و التعليمية دون تدخل الدولة أو أية قوة مجتمعية أخرى و لا بد هنا من مراعاة نوع من التوازة بين الاستقلالية و المحاسبية ليكون ذلك الاستقلال مقبولا لدى غير الأكاديميين. لا بد أن تكون الإدارة الجامعية المستقلة ديمقراطية و شفافة بمعنى أن تكون منتخبة بشكل تصاعدي و شفافة بمعنى إحكام رقابة الشعب و أعضاء هيئة التدريس و الإداريين و الطلاب على تلك الإدارة خاصة ما يتعلق بانفاق المال العام.

ينبع الحق في الحريات الأكاديمية من الحق في التعليم المنصوص عليه في المادة 56 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) و المادة 13 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية (1966) التي وقعت عليها مصر منذ سنوات عديدة كما نص عليها الدستور المصري في مواده رقم 18، 47، 49.

الحريات الأكاديمية في الجامعات المصرية اليوم

تتعرض للقمع من:

1- الحكومة    2- جهات غير حكومية          3- الأكاديميون أنفسهم.

أدوات القمع الحكومي:

1-  الحرس الجامعي (تابع للداخلية) يقبعون على البوابات و لهم مكتب في كل كلية.

2-  أمن الدولة (تابع للداخلية) يجوبون الحرم في ثياب مدنية لمنع المعارض و الخطب و الملصقات و يجندون بعض الطلبة للتجسس على زملائهم.

3-  أعضاء أسر حورس (سابقا) يعملون لحساب الحزب الحاكم.

هذه القوى مجتمعة تعمل على إسكات الطلاب الناشطين و يخيفون الآخرين من الانضمام إليهم بإشاعة جو من الترهيب كطلب المستهدفين من الطلاب على هواتفهم النقالة و إعلامهم أنهم مراقبون و ربما يطلبون آباء الطلبة لبث الذعر في نفوسهم. مناخ الخوف هذا خلق بين الطلبة و الأساتذة رقابة داخلية ذاتية رادعة لمناقشة موضوعات معينة أو المشاركة في الحراك الثقافي الاجتماعي السياسي.

4-  إدارة الجامعة المعينة سياسيا:

يعين رؤساء الجامعات و العمداء بموجب قانون 1994 الذي أنهى 22 عاما من اختيار العمداء بالانتخاب بين الأساتذة و يعين رئيس الجمهورية رؤساء الجامعات عادة من أعضاء الحزب الحاكم – يستميت المعينون في استرضاء من عينهم مما يدمج الحكومة في جهاز الإدارة الجامعية و يستحيل و الأمر كذلك أن تكون الجامعة مستقلة (سلطة العمداء واسعة جدا: حضور المحاضرات – الموافقة أو الرفض لأسماء المتحدثين – توزيع المهام على الأساتذة: منع البحراوي من ريادة الأسر 2000 – إغلاق مكاتب الأساتذة الإسلاميون بدار العلوم 50 منهم حشروا في غرفة واحدة – عميد الاقتصاد يحضر أحيانا محاضرات عامة أو مؤتمرات إذا أحس بمعارضة للحكومة تدخل لترتيب الأمور).

 

مجالات التدخل في الحريات الأكاديمية

1-  قاعات التدريس.

2-  البحوث العلمية.

3-  مظاهرات الحرم الجامعي.

4-  الأنشطة الطلابية.

التحكم في الأنشطة الطلابية

يعمد أمن الدولة و العمداء المعينون إلى سد معظم مسالك التعبير الطلابية و أنشطتهم في الحرم الجامعي بإضعاف الاتحادات و الأسر الطلابية الأمر الذي دمر نشاطهم السياسي و حرمهم من فرص التعلم من بعضهم البعض و اكتساب مزيد من النضج و الرشد و ازاء هذا القمع يتجنب معظم الطلاب المصريين المشاركة في أنشطة الحرم الجامعية باستثناء أقلية نشطة تنتمي إلى تيار اليسار أو التيار الاسلامي الذين يقمعهما الأمن على سواء لمنع انشطتهم المتحدية للوضع القائم.

أ‌.      الاتحادات الطلابية:

حسب لائحة 1979 تستهدف هذه الاتحادات تنمية القيم الروحية و الأخلاقية و الوعي الوطني و القومي بين الطلاب و تعويدهم على القيادة و التعبير المسؤول عن آرائهم.. إلخ و الحقيقة أن هذه اللائحة قد جردت الاتحادات من سلطاتها اذ تنص على ضرورة تمتع المرشحين للاتحادات بحسن السير و السلوك و حسن السمعة و قد استغلت الإدارة الجامعية المعينة غموض هذا النص في استبعاد مرشحي اليسار و الاسلاميين لتجعل من هذه الاتحادات ذراعا آخر للسلطة الأخطبوطية و من المفيد الرجوع إلى أحداث انتخاب هذه الاتحادات بجامعة القاهرة عام 2005 الموثقة في تقرير لجنة متابعة هذه الانتخابات المنبثقة من لجنة جامعيون من أجل الإصلاح بنادي أعضاء هيئة التدريس بهذه الجامعة.

وسائل الأمن و الإدارة المعينة في إضعاف الاتحادات الطلابية:

1-  تخويف الطلبة حتى يحجموا عن ترشيح أنفسهم.

2-  استغلال نص اللائحة عن حسن السير و السلوك و حسن السمعة لشطب النشطاء.

3-  تدخل الأمن و الإدارة في التصويت لتزوير النتائج.

4-  احتجاز بعض المرشحين بمعرفة الأمن في المدينة الجامعية حتى نهاية عملية الانتخاب,

5-  عقد الانتخابات في يوم أجازة.

6-  اعتقال المرشحين و تعذيبهم.

7-  منع الاسلاميين من دخول الحرم الجامعي يوم الانتخابات.

8-  إذا لم تتوفر مشاركة 50% من الناخبين يعاد الانتخاب بمشاركة 20% على الأقل. إذا لم يتوفر هذا النصاب تختار الإدارة من تعتبرهم فائزين طبقا لمعاييرها في الاختيار.

9-  إذا لجأ الطلبة للقضاء الإداري فعادة ما ينصفهم و لكن بعد فوات الأوان.

إذاء هذا العنت لجأ الطلاب أواخر العام الماضي إلى تنظيم انتخابات كونوا من خلالها اتحادات طلابية حرة في 9 كليات بجامعة القاهرة و أصدروا لائحة للحريات الطلابية.

ب‌.   الأسر الطلابية:

تعتبر الأسر بوتقة التفاعل الفكري و الثقافي و الاجتماعي في الجامعة و تنص اللائحة على حتمية موافقة الإدارة على إنشائها و تلك الموافقة نابعة من أهواء الإدارة السياسية و عادة تتحرى منع الأسر أو على الأقل السيطرة على أنشطتها إذا تمكن الطلاب من الحصول على موافقة على إنشائها و يحرم على الأسر تناول أي شيئ فيه رائحة السياسة و ربما يحرم بعض الأساتذة من أن يكونوا رواد للأسر (د. البحراوي) كما يمنع الأمن و الإدارة معارض الكتب الطلابية و مجلات الحائط و الملصقات و المطبوعات و البيانات التي تعالج الشؤون الجامعية و الوطنية مثل مساندة فلسطين أو رفض التطبيع أو انتقاد الجرائم الاسرائيلية الأمريكية أو الاعتقالات.

ج. مظاهرات الحرم الجامعي:

تعتبر مظاهرات الحرم الجامعي من أهم آليات التعبير السياسي للحركة الوطنية المصرية و عادة ما يكون التفاعل المشترك بين الطلبة و الأساتذة حول الأمور الاجتماعية و السياسية  الجارية و ما يسفر عنه من مواقف أصيلة مصدر إلهام للرأي العام الوطني و القومي خاصة في ظل المنع الشامل للتجمعات خارج الحرم الجامعي و بالطبع تضع الحكومة المصرية قيدا خانقا على مظاهرات الحرم الجامعي فالحرس الجامعي يسيطر على الدخول إليه و لا يسمح لأي تظاهر بالخروج عبر أسوار الجامعة مما يقلل أثرها إذ لا يتمكن الجمهور من مشاهدتها (أقامت الحكومة سورا شاهقا حول جامعة عين شمس تكلف 9 ملايين جنيها بديلا لسور حديدي بسيط و أنيق كان يسمح بالرؤية على جانبية فيما سبق) و لا تتردد قوات الأمن في الاعتداء على الطلبة و اعتقالهم إذا حاولوا تجاوز هذه الأسوار (جامعة الاسكندرية عام 2001 أسفرت عن قتل الطالب محمد السقا بالرصاص الحي و العمى الجزئي لأربعة طلاب و جرح 118 طالبا أخرين).

انتهاك الحريات الأكاديمية من قبل جهات غير حكومية:

يشهد المجتمع الأكاديمي منذ قديم خلافات أيدلوجية و صراعات تصل أحيانا إلى مصادمات طلابية و تلعب السلطة دور المنظم و الممول (أسر حورس) أو المحرض (الاسلاميين ضد اليسار) أو التغاضي عن بعض الممارسات المتطرفة (فصل الطلبة عن الطالبات و تحريم بعض الأنشطة الثقافية و الفنية).

انتهاك الحريات الأكاديمية من قبل الأكاديميين أنفسهم:

1.    بعد 1952 دأبت الحكومة على استوزار بعض الأكاديميين مما أجج شهية المشتاقين للصعود الوظيفي من الأساتذة خاصة من أختيروا عمداء أو رؤساء جامعات و تملقهم للسلطة و قبولهم لما فرضته بالقانون من قيود على الحريات الأكاديمية و أخضعت الجامعات لسلطات الأمن و قد لعبت هذه العناصر دورا خطيرا في السماح و التغطية على تدخلات الأمن ضد الطلاب و الأساتذة.

2.    تفشت بين الانتهازيين من الأساتذة حمى التنافس في غير مجال العلم لتملق قيادات التنظيم السياسي و التعاون من الأمن كمخبرين و كتبة تقارير مقابل مناصب المستشارين الثقافيين بالسفارات المصرية أو مناصب الهيئات الدولية أو انتظار الدور لتولي منصب الوزير.

3.    استن النظام اختيار عناصر بعينها موالية له أو محسوبة على أحد أركانه لتولي أمر مؤسسة أو وزارة أو جامعة كأنها عزب خاصة دون رقيب أم حسيب أستنادا إلى رسوخ نفوذ الشخص الذي يستند إليه. ترعرع الفساد ليستشرى في الربع قرن الأخير من خلال آليات عديدة:

1- دعم الكتاب الدراسي. 2- الصناديق الخاصة  

3- لجان الممتحنين.     4- تعديل شروط الإعارة للجامعات الأخرى      

5- اختلال معايير تقييم أعمال المتقدمين للجان ترقيات أعضاء هيئة التدريس.

6- عشوائية الدراسات العليا.

التدخلات الأمنية الأخرى في شؤون أعضاء هيئة التدريس و معاونيهم:

1-  تعطيل تعيين المعيدين رغم موافقة الأقسام و الجامعات و على سبيل المثال: هاني خميس محمد دويك – علوم القاهرة، ألفت شافع – آداب الاسكندرية، السيد عبد الله إبراهيم زنوبي – زراعة المنيا

2-  ربط سفر هيئة التدريس و معاونيهم في مهمات علمية أو بعثات بموافقة الأمن.

3-  موافقة الأمن مسبقا ضرورية قبل إجراء بحوث مشتركة مع أجنبي أو دعوة أساتذة أجانب أو الدخول في مشروعات علمية مع جهات أجنبية و آخر مثال منع الأمن دخول الأستاذ الدكتور/ محمد سعيد رمضان البوطي عميد كلية الشريعة السابق بجامعة دمشق لإلقاء محاضرة بكلية الاقتصاد و العلوم السياسية بجامعة القاهرة مطلع عام 2006.