|
١ العام الفارق بين جامعتين 1954 شهادة الدكتور فوزي منصور
السادة الزملاء والزميلات الأعزاء أحيي الزملاء اللذين تفضلوا بتنظيم هذا الاجتماع الذي طال انتظاره، انتظار الجامعات له ، لمدة ناهزت الآن نصف قرن، كما أشكر لهم دعوتي إلي المشاركة في هذا الحدث الهام. لقد طلب إلي الشهادة أمام حضراتكم عما حدث في الجامعة وللجامعة من حوالي نصف قرن . والشهادة بطبيعتها تنصرف إلي ما رآه الشاهد وما سمعه، وربما أيضا ما فعله أو شارك فيه، لكنني أظن أنها قد تتسع أيضًا لمحاولة استجلاء ما حدث وإبداء الرأي فيه واستخلاص الدرس والعظة منه. واسمحوا لي أن أبدأ بالنهايات، ثم أعود إلي الأحداث التي أدت إليها. (١) في الثاني والعشرين من سبتمبر ١٩٥٤ كنت في فندق وندسور، في شارع الألفي هنا بالقاهرة عندما وفد إليّ في الصباح الباكر علي غير موعد سابق زميلان كريمان من حقوق الإسكندرية وحقوق القاهرة، أحدهما المرحوم الدكتور إسماعيل غانم الذي تولي فيما بعد وز ارتي التعليم العالي والثقافة، والثاني المرحوم الدكتور لبيب شقير الذي كان رئيسًا لمجلس الأمة حتى اعتقل في أحداث ١٩٧١ الشهيرة. كنت عندئذ مدرسًا بحقوق الإسكندرية، وكنت في القاهرة بمناسبة انتدابي لامتحانات الدور الثاني في حقوق القاهرة، وفقًا لعرف - لا أعرف إذا كان ساريًا الآن - جري في ذلك الوقت علي انتداب أساتذة الإسكندرية للمشاركة في امتحانات القاهرة وانتداب أساتذة القاهرة للمشاركة في امتحانات الإسكندرية، في محاولة لتدعيم أواصر الزمالة وإيجاد مستويات متقاربة في التدريس والامتحانات بين الجامعات المختلفة. دهشت بعض الشئ لهذا الموعد غير المرتقب، لكنهما بادراني بالسؤال عما إذا كنت قد علمت بصدور قرارات من مجلس قيادة الثور بفصل بعض أساتذة الجامعات . كنت وقتئذ سكرتيرًا مشاركً ا- مع المرحوم الدكتور سعد عصفور - لهيئة التدريس بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية. وكما تعلمون، فليس في لوائح الجامعات مكان لهذه التسمية، وسأعود بعد قليل إلي الظروف التي أضفت علينا تلك الصفة . ظننت للوهلة الأولي أنهما بادرا إ لي الاتصال بي بصفتي تلك . قلت إذن نجتمع فورً ا مع ممثلي الكليات المختلفة لنري الخطوات التي ينبغي اتخاذها . قالا: طبعًا، لكن يبدو أنك لم تعلم بعد أنك ممن شملهم قرارا الفصل . قلت إذن تجتمعون أنتم أو لا تجتمعون،فهذا شأن يعنيكم أنتم بالأساس ولم تعد لي صفة للمشاركة فيه، وبعد مناقشة قصيرة أنصرف كل منهم إلي شئونه. علمت في هذا اليوم والأيام اللاحقة أن عددًا كبيرًا من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات الثلاث قد شملهم قرار الفصل . ولم يستطع أحد تحديد هذا العدد، وربما لم يكن هناك من يستطيع ذلك حتى الآن من جهات الأمن والجماع ات المرتبطة مباشرة بمجلس قيادة الثورة الذي أصدر القرار، والخبر لم ينشر قط في أية صحيفة: لا في هذا اليوم ولا في أي يوم لاحق. قيل أنهم أربعون ومعهم اثنان آخران، وقيل أنهم أربعة وأربعون وزادوهم أربعة أخري ...آلخ. وأنا أجري هذه التفرقة لأن الأ ربعين أو الأربعة و أربعين (أو أيا كان العدد ) قد فصلوا من الجامعة لأسباب سياسية، أما الاثنان أو الأربعة المضافون فقد كانوا – حسب المتواتر - متهمين بتهم خلقية أو سلوكية، وأضيفوا إلي القائمة الأصلية من قبيل التضليل. كان من بين من فصلوا أمين بدر وعبد المنعم الشرقاوي وتوفيق الشادي من حقوق القاهرة، وسعد عصفور من حقوق الإسكندرية، وعبد الرازق حسن من تجارة القاهرة، ويبدو أن العدد الأكبر كان من كليات العلوم وأذكر منهم حسين كمال الدين وعبد المنعم خربوش وعلي نجيب وفي الصدارة منهم جميعًا عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم من الآداب. وقد أشار الأستاذ الدكتور مصطفي كامل في لقاءنا الحالي إلي التضاؤل المتزايد لدور كليات العلوم في المنظومة العلمية التي تقدمها الجامعات في مصر الآن . ولا يخفي ما في ذلك من دلالة شديدة القسوة علي ما يحدث في مجتمعنا . ولا أخفي علي حضراتكم – وأنا حقوقي- أنني شديد التحيز لدور كليات العلوم والآداب في الجامعة وفي المجتمع، وقد أبالغ فأذهب إلي أن الجامعة أساسًا هي كلية العلوم وكلية الآداب : الأولي للعلوم المسماة بالعلوم الطبيعية والرياضيات، والثانية أساسًا للعلوم الاجتماعية والإنسانية، أما الكليات الأخرى فهي في الأساس مدارس مهنية عالية، ولا تلحق بها الصفة الجامعية إلا بالقدر ما تستند ممارستها إلي أصل راسخ في علوم الطبيعة والمجتمع أو الإنسان، أو بقدر ما تتواصل تلك الممارسات مع الشأن العام . معذرة لهذا الاستطراد، ومعذرة قبل ذلك للزملاء الذي عجزت ذاكرتي عن الاحتفاظ بأسمائهم. الذي حدث بعد ذلك أن الدكتور إسماعيل غانم قدم استقالته من حقوق القاهرة احتجاجًا علي العدوان الذي وقع علي الجامعة وظل مصرًا عليها لمدة تقارب الشهرين حتى أقنعه بعض أصدقائه وأنا من بينهم بأنه في جو التعتيم والتضييق علي الحريات الذي كان سائدًا فإن استقالته يبقي خبرها وأسبابها مكتومة لتصبح عديمة الأثر ولا جدوى منها. واستقال أستاذ آخر من حقوق القاهرة غاب اسمه عن الذاكرة. وفي أول الشهر التالي حضر إلي منزلي ومنزل المرحوم سعد عصفور وفد من هيئة التدريس بالكلية يحمل إلينا – تبرعًا منهم - مرتبنا الشهري. بناءً علي قرار كانوا قد اتخذوه في هذا الشأن . ولم يقبلوا اعتذارنا عن قبول هذه اللفتة الكريمة إلا بعد عنت شديد . ولا ريب أن تحركات كثيرة مماثلة تحمل بدرجات أقل أو أكثر معني التضامن الأخوي قد حدثت في الكليات الأخرى التي طالها قرار الفصل، أقول التضامن الأخوي لا التضامن السياسي : فالهدف الأساسي من ضربة سبتمبر ١٩٥٤ كان وأد كل محاولة يمكن أن تجري داخل هيئات التدريس للعمل السياسي المستقل عن توجهات النظام ووصايته . وقد أفلحت تلك الضربة تمامًا، بحكم اتساع نطاقها وشمولها لعدد من أنشط قيادات العمل السياسي الجامعي - أيًا كان لونهم السياسي يمينًا أو يسارًا أو وسطً ا وجو الإرهاب العام الذي أحاط بهم وبالبلاد بشكل عام، أفلحت تمامًا ولسنوات طويلة عديدة لا تزال ظلالها تلاحق الجامعات حتى الآن في تحقيق هذا الهدف، وإن كان قد أصبح يضاف إليها الآن أيضًا، وأحيانًا بشكل أكثر فاعلية، بريق "الاختيار" للمناصب المرموقة، داخل الجامعة وخارجها، أو الانتدابات الكثيرة للمهام المجزية . ورحم الله الأزمنة التي كانت فيها المناصب الإدارية الجامعية تعتبر أنها من نصيب أساتذة الفرز الثاني أو الثالث " التي يتعفف عنها الأساتذة العظام في علمهم، وكانت عيني عضو هيئة التدريس الناشئ الواعد تتركز علي الإنجاز العلمي لا علي سلم المناصب الإدارية. وعندما في قابل الأيام تسترد جامعاتنا كامل عافيتها، فربما سوف تعود فتسلط الضوء علي هذه الفترة، ملتفته بعض الشئ إلى من أقصوا من رحابها فتحصيهم وتتبعهم ، لنرى هل فت هذا الإقصاء في عضدهم أو حال بينهم وبي ن مواصلة العطاء -وإن اختلف المجال أحيانًا- لمجتمعهم، لكن مركزة جل اهتمامها علي حال الجامعات بعد أن وجهت إليها تلك الضربة الإجهاضية الكبرى. ربما عندئذ سوف يتأكد للباحثين الأحرار من داخل الجامعات: • أن الجامعة لا يمكن أن تعيش أو ينصلح أمرها بمعزل عن مقومات الحياة الصحية السليمة في كل جانب من جوانب المجتمع. • أن استقلال الجامعة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن استقلال الوطن وكرامة المواطن. • أن حرية الجامعة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن حرية الوطن والمواطن. • أن حرية البحث العلمي في الجامعة، سواء علي صعيد العلوم الطبيعية أو العل وم الاجتماعية والإنسانية، لا يمكن أن تزدهر إلا إذا انتشرت الروح العلمية في المجتمع : علي مستوي العلوم الطبيعية وتطبيقاتها لا يمكن أن يحدث الازدهار إلا في مجتمع متطور اجتماعيًا واقتصاديًا علي نحو صحي سليم، يدفع فيه المنظور الاجتماعي والاقتصادي التقدم العلمي والتكنولوجي نحو البحث عن حلول للمشاكل التي تواجهه ويقود التقدم العلمي والتكنولوجي بدوره المجتمع نحو المزيد من التطور الاقتصادي والاجتماعي، وعلي مستوي العلوم الاجتماعية من المستحيل أن يحدث تقدم حقيقي إلا إذا تحققت الحريات العام التي تسمح لكل من يشاء أن يتناول كافة قضايا الفكر والمجتمع بالبحث دون خشية ضابط أو رقيب. • لكن هذا استطراد، معذرة إذا كنت قد أنسقت إليه أمام جمع عالي الثقافة والوعي مثل جمعكم . أغلب الظن أن دافعي إليه تجربة مررت بها في أوائل التسعينات من القرن الماضي، عندما دعيت دون شك نتيجة خطأ بيروقراطي لا بد من أن المسئول عنه قد حوسب أو ينبغي أن يكون قد حوسب عليه فيما بعد - إلي المشاركة فيما سمي وقتئذ باللجنة العليا لإصلاح الجامعات والتي تكونت أساسًا من عدد من رؤساء الجامعات السابقين ورؤساء بعض الهيئات الأخرى المعنية وعدد أقل من أساتذة الجامعات الذين اشتهر عنهم الاهتمام بقضايا العلم والتعليم. • بعد الاستماع الطويل الصابر إلي الاقتراحات التي قدمت حول الموضوعات الواجب بحثها: • فصل دراسي واحد أو فصلان؟ • البعثات الخارجية والداخلية لأعضاء هيئات التدريس. • إشراك رجال المال والأعمال في مجالس الكليات والجامعات. • الكتب الجامعية ونظم الامتحانات...الخ الخ لم يفتح الله علي إلا بعرض سريع لبعض المبادئ التي طرحتها الآن أمام حضراتكم . اضطرب رئيس اللجنة العليا (أو لعله كانمقررها، وأظنه كان أحد كبار موظفي وزارة التعليم العالى) أشد الاضطراب لما قلت، واضطربت مع اضطرابه أعمال اللجنة العليا، وأغلقت أبوابها بعد جلسة أخري أو جلستين . ومنذ هذه التجربة أجدني مضطرًا إلي إعادة التأكيد علي تلك المبادئ في سياق أو في غير سياق، ربما استجابة لنوع من الوسواس القهري، فمعذرة مرة أخري، ولأعد إلي موضوعنا الأصلي. (٢) كيف حدث ما حدث للجامعات في عام ١٩٥٤ ؟ الذي حدث لا يمكن فهمه إلا في ضوء التغييرات التي حصلت على أوضاع الحريات العامة بين عامى 1950 و1954. وفي الواقع يمكن تقسيم هذه الفترة ، إلي مرحلتين : مرحلة الانطلاق المتزايد للحريات التي بدأت بإلغاء الأحكام العرفية التي كانت قد أعلنت بمناسبة حرب فلسطين في 1948 ، ومرحلة التضييق المتزايد الذي بدأت مع الإجراءات التي اتخذت بمناسبة حريق القاهرة في 26 يناير 1952 ثم أخذ يتصاعد إلي ذرى غير مسبوقة مع قدوم النظام الجديد فى 23 يوليو 1952. لقد شهد عام 1950 واحدًا من أك بر الانتخابات حرية في تاريخ مصر، طبعًا بالقدر النسبي الذي يمكن معه الحديث عن انتخابات حرة في بلد تسود العلاقات شبه الإقطاعية جانبًا كبيرًا من أريافة، ويعاني من ضعف –أو إضعاف - الحركات النقابية والعمالية في مدنه وكثيرًا ما تسيطر فيه وشائج القربى والعلاقات شبه القبلية على روابط المصلحة، وتنتشر الأمية بمختلف أشكالها وتجلياتها. الانتخابات الحرة هنا لا تعني أكثر من رفع قبضة الإدارة عن العملية الانتخابية ، وقد كان ذلك كافيًا لكي تأتي الانتخابات بالوفد، كرد فعل مباشر علي الجرائم التي دأبت حكومات الأقليات والسراي علي ارتكابها في حق البلاد، بقدر ما كان استجابة لرصي د الوفد الطويل الوطني الشعبي. وكالعادة مع حكومات الوفد، اتسع نطاق الحريات العامة : حرية الصحافة، حرية الرأي والاجتماع والتظاهر، الحد من سلطات الشرطة وتجاوزاتها، الحريات الحزبية ...آلخ وأنصاف لها كالعادة أيضًا مع حكومات الوفد - عدد من الإجراءات والقوانين التي وسعت من نطاق الحرية والحقوق الاجتماعية، وخاصة في مجال العمل والتعليم. وأنا لم أكن وفديًا قط، وكثيرًا ما ظلمت الوفد بيني وبين نفسي عندما كنت أتجاهل القيود الكثيرة التي كانت تحد من حركته، أو تلك الناشئة من تواضع المستوي الفكري لبعض قياداته البارزة . لكي ينبغي الآن الإقرار بأن " أزهي عصور الديمقراطية " التي شهدتها مصر كانت مقرونة بحكم الو فد. وبمعني من المعاني، كانت أقو ى تجليات هذه الديمقراطية إلغاء الوفد في عام ١٩٥١ للمعاهدة الكريهة التي كانت تربط مصر بانجلترا . لم يكن هذا الإلغاء خطوة سياسية جريئة وبارعة فقط، لك نه أيضًا استجابة مباشرة للمشاعر التي عمت كل طبقات مصر غير مرتبطة المصالح بالاستعمار وبالسأم من سلاسل المفاوضات المتتالية التي أقبلت عليها حكومات الأقليات المتتابعة، والتي لم يكن لها من هدف - في الجانب البريطاني - سوي ت دويخ المصريين وصرفهم عن مطالبهم الأساسي ة بالجلاء والتحرر من القيود الأخرى التي فرضتها تلك المعاهدة، وضرورة الخروج من هذا الطريق المسدود إلي طرق أخري واعدة للكفاح والعمل السياسي. من الصعب علي من لم يعش هذه الفترة في مصر أن يتصور ما حدث وقت ئذ. فجأة، ودون إذن الحكومة، لكن أيضًا دون معارضة منها، فتح الباب للمبادرات الشعبية المتعددة الأشكال التي اتخذت هدفًا لها جعل بقاء قوات الاحتلال في مصر أمرًا مستحي ً لا وتقليص أو علي الأقل تهديد المصالح الاستعمارية المتغلغلة. الديمقراطية لا تعني فقط حق الشعب في أن يختار بحرية من ينوب عنه في الحكم، وإنما تعني أيضًا، ضمن أشياء أخري كثيرة، إطلاق الحرية للمبادرات الشعبية العاقلة التي تعمل علي تحقيق الأهداف التي تجمع عليها الشعوب . ولم يكن هناك إجماع مثل إجماع الشعب المصري في أوائل الخمسينات علي ضرورة إجلاء الاحتلال البريطاني من مصر، دون الاستسلام للشر وط التي كان يحاول فر ضها، بكل الوسائل المتاحة، وعلي رأسها الكفاح المسلح. وذلك تحديدًا هو ما أتاحته حكومة الوفد القائمة وقتئذ لكل من استطاع إلي ذلك سبي ً لا، دون تفرقة بين حزب وآخر أو طائفة وأخرى. ولم تقف الجامعات بمعزل عن هذه التحركات الشعبية - أكاد أقول التلقائية- العارمة، وعلي العكس كانت في مقدمتها . ولن أستطيع الآن أن أوفي هذه التحركات الجامعية في هذا المجال حقها - وهنا أيضًا أظن أن المجال لا يزال مفتوحًا لمن يريد أن يدرس تاريخ مصر الحقيقي علي أساس علمي لدراسة دور الجامعات - وإنما أكتفي طالما أن دوري في لقاؤنا الحالي هو الشهادة بم ا رأيت، أن أشير إلي تجربة كلية الحقوق في جامعة الإسكندرية واحدة من عشرات التجارب المماثلة في كليات الجامعات الأخرى. فى تلك الكلية كانت هيئة التدريس تلتقي، حتى قبل الإلغاء الرسمي للمعاهدة، لتصدر بيانات تعبر بها عن رأيها في الأوضاع العامة التي كانت البلاد تم ر بها . وعندما ألغيت المعاهدة قررت هيئة التدريس المشاركة في تنظيم عمليات الكفاح المسلح التي كان طلاب الكلية قد بدأوا في تنظيمها . وقد أقيم بالفعل معسكر للتدريب الجدي علي القتال في الفناء الخلفي للكلية الذي كان مخصصًا لملاعب كلية الحقوق وكلية الزراعة ( وكانتا متجاورتين في ذلك الوقت ) وكان يساعد في عمليات التدريب بعض ضباط الجيش المنتمي في أغلب الظن - ودون علم منا إلى تنظيم الضباط الأحرار الخفي، فنحن نتحدث الآن عن عام ١٩٥١ . وسافرت بالفعل أفواج متتالية من الطلاب إلي الشرقية ومنطقة القناة للمشاركة في عمليات الكفاح المسلح التي كانت تجري هناك. اللافت للنظر في هذا الموضوع – مجلس الكلية - نعم، المجلس الرسمي المكلف بإدارة الكلية، أصدر قرارً ا بتحويل المبالغ التي كانت مخصصة للنشاط الرياضي، وأظنها خمسمائة جنيه قد تساوي الآن خمسون ألف جنيه بالأسعار الحالية، إلي شراء السلاح وال مساهمة فيتمويل الكفاح المسلح . وكنت أراوح في هذه الفترة بين إلقاء محاضراتي والبحث بطرق مختلفة عن السلاح في الصحراء أو الأرياف، وأذكر أنني توجهت إلى الأستاذ محمود فرج وكيل نيابة أبو حماد (ورئيس محكمة الاستئناف فيما بعد ) فأخذني بالليل إلى ضابط المباحث في مر كز أبو حماد، اليوزباشي الحديدي الذي أصبح فيما بعد لواء بالشرطة، وفتح لي الضابط الشهم مخازن السلاح المضبوط علي ذمة القضايا ، كان القضاء قد انتهي من نظرها بالفعل، وجعلها متاحة لطلاب الجامعة . وإنما عنيت بذكر هذه الواقعة الجزئية المحددة لما لها من دلالة علي التعاون التلقائي الذي جمع بين أفراد مختلفي المشارب ينتمون إلي هيئات يفترض فيها الحذر، إن لم يكن التباعد والتمسك بالرسميات، اجتمعوا علي هدف واحد وهو تقديم كل المساعدات الممكنة لعمليات الكفاح المسلح، حتى لو تطلب ذلك كسر الروتين البيروقراطي أو المخالفة الشكلية للقوانين. كما نعلم جميعًا، أوقفت عمليات الكفاح المسلح بعد إحراق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ ، وتعاقبت حكومات السراي والأقليات، واستمرت أزمة الحكم في تفاقم حتى قيام سلطة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ، ولست بحاجة هنا إلي استعراض الخطوات التي قام بها النظام، إيجابية كانت أو سلبية، حتى انتهي الأمر إلي أزمة فبراير/ مارس ١٩٥٤ التي بلورت الصدام بين النظام الجديد والجامعات. لقد اتخذ النظام الجديد خطوات جبارة تركت أثرًا عميقًا- نرجو أن يكون دائمًا- علي تاريخ مصر المعاصر : إلغاء النظام الملكي وتوارث السلطة، الإصلاح الزراعي المتعدد الجوانب...الخ. وأنا هنا أقف عند عام 1954 لا ما أتي بعدها، لكن، وعلي الجانب الآخر كان هناك تجميد للمبادرات الشعبية السياسية، بل وإبعاد للشعب عن المشاركة الإيجابية الفاعلة في تحديد وتوجيه وحسم قضاياه الرئيسية . وإذا كان المهتمون بتأريخ هذه الفترة يقفون طويلا عند مسلك النظام الجديد إزاء أسس وتنظيمات وقواعد الحياة السياسية : إلغاء الدستور وإلغاء الأحزاب وإهدار الحصانات القانونية والقضائية الضامنة لحريات المواطنين وحقوقهم ..الخ مما هو معروف للكافة، فإن الذي يستوقف نظري بوجه خاص هو موقف النظام الجديد من الكفاح المسلح ضد الاحتلال البريطاني بطبيعة الحال كان إجلاء قوات الاحتلال على رأس أهدافه. وقد سعي إلي ذلك بكل الطرق ا لممكنة، بما فيها القيام بعمليات مسلحة ضد قوات الاحتلال في القناة، لكن الفارق الرئيسي أن النظام الجديد -بحكم طابعه العسكري المهيمن والحريص عل ى تجميع كل السلطات والخيوط في يده - هو أنه بدلا من أن يكون الكفاح المسلح عملية شعبية تستمد قواها وجذورها من كافة قو ى الأمة السليمة، أصبح عملية محكومة تفتح وتغلق وفقًا لحسابات شديدة التعقيد ولا يشارك فيها أحد من خارج القوات المسلحة إلا بقدر محدود تحت رقابة مشددة وبانتقائية تدخلت فيها اعتبارات كثيرة . بعبارة موجزة انتفت تلقائية وشعبية الكفاح المسلح . بكل ما يحمله ذلك من قدرات علي الخلق والتطوير وبناء ثقة الشعب في قدراته، وأصبح الكفاح المسلح مؤممًا، تديره بيروقراطية بعيدة عن التماس مع جذور الكفاح المسلح الشعبية. وقد كانت الجامعات من أوائل من شعر بهذا التغيير، لقد شاءت السلطة الجديدة إقصاء الجامعات، بل وإقصاء كل من يحرص علي استقلاله عن إبداء الرأي – ناهيك عن المشاركة - في قضايا الوطن الكلية والكبرى: الجلاء والاستقلال وتجنب الأحلاف العسكرية المريبة، الحرية والديمقراطية والحق في التطور الاقتصادي ولاجتماعي المستقل عن مشيئة ومصالح القوي الاستعمارية وعلي رأسها أمريكا . وبدأت الجامعات في الإنكفاء علي نفسها، لكن هذا ا لانكفاء لم يكن كاملا أو دائمًا وانى له أن يكون كاملا، وقد كانت مصر تصطخب كل يوم بالجديد الذي يهبط إليها من مجلس قيادة الثور ة، وفي أحوال كثيرة تضطرب له أيما اضطراب في مجالات فلسفة التعليم واتجاهاته، فحتى مجانية التعليم التي كانت قد تقررت - كالماء والهواء - في حكومة الوفد كان يعاد مناقشتها بطرق خفية متعددة بواعز من مؤسسات التمويل الدولية أو القوي العظمي التي تقف وراءها " والخبراء" المحليين - وما كان أكثرهم وأقربهم إلي السلطة في هذه الفترة - الذين تشربوا رسالة تلك المؤسسات، وكذلك كان الأمر أيضًا في مجالات الصحة العامة وحقوق العمل وغير ذلك. وكان أكثر ما لفت نظر بعضنا في تلك الفترة هو تلك الرسالة المحمومة التي هبطت علينا من أعلي ولم تلب ث أن تحولت إلي قانون شهير من قوانين الدولة في عام 1954 ، والتي تزعم أن " الطريق الذهبي إلي تطوير الاقتصاد المصري وتحديثه هو عبر تشجيع الاستثمارات بوجه خاص الاستثمارات الأجنبية ومنحها مزايا وإعفاءات عديدة . لم يكن هناك ما يثير السخرية والقلق معًا في بلد كمصر مثل هذا القول الصاخب: فحتى عام 1954 ، عام إلغاء الامتيازات الأجنبية، كانت مصر نهبًا متاحًا لرؤوس الأموال والمصالح الأجنبية التي كانت تتمتع بحقوق سيادية لا يمكن أن يسمح لها بها في بلادها أو في البلاد الأخرى التي تحترم استقلالها، بما في ذلك عدم الخضوع للقانون الوطني أو القضاء الوطني . ولم تؤد تلك الحقوق الخاصة إلي تنمية اقتصادية أو تطور صناعي يستحق الذكر، وعلي النقيض من ذلك، كانت من أهم عوامل التخلف الاقتصادي في مصر. في جو الإرهاب الفكري السائد في ذلك الوقت لم تكن تكفي مجرد الإشارة العامة إلي هذا المثل الحي الماثل أمام عيني الذي يقدمه تاريخنا الحديث، وإنما ينبغي مناقشة دور رؤوس الأموال الأجنبية نظريًا وتطبيقيًا وصياغة المناقشة في القوالب الأكاديمية المألوفة التي بدا أنها وحدها التي تثير اهتمام الخبراء الذين أحاطوا وقتئذ بصناع القرار . وتصدي لهذه المهمة، من داخل الجامعة ثم بعد الفصل من خارجها، كثيرون أذكر منهم المرحوم عبد الرازق حسن وكاتب هذه السطور، تصدوا لها بالمحاضرات العامة والكتب والمقالات والنشرات وغير ذلك. وتدريجيًا بدأ يملأ بعضنا يقين لا يغالب بأن المسألة لم تكن مسألة خبراء مصريين غربيي الهوى والتوجه، تسللوا إلي صناع القرار ثم أحاطوا بهم وحاصروهم وأغووهم، وإنما بدا ما يحدث كما لو كان تنفيذًا لأجندة برعت في وضع بنودها وتحريك منفذيها أجهزة مخابرات أجنبية، نجحت تحت ستائر مختلفة في التأثير علي القيادات الشابة محدودة الخبرة التي احتكرت السلطة في البلاد ، ولم نكن، أو لم يكن البعض منا في حاجة إلي من يقنعنا بأن الأهداف والمصالح التي سعي إلي تحقيقها واضعوا هذه الأجندة بعيدة كل البعد عن أهداف ومصالح الشعب المصري، بل ومتناقضة معها . وتدريجيًا أشرقت علي الكثيرين من بيننا، الذين لم يكونوا قد تبينوا ذلك من قبل بأن النقد أو التصويب في هذه الجزئية من جزئيات العمل الوطني لا يكفيان، وأنه لا بديل من عودة السلطة إلي الشعب، لا بديل عن الديمقراطية المحاطة بكل الضمانات وعلي رأسها إطلاق وحماية الحريات العامة. لم تكن الجامعة وحدها هي التي شعرت بهذه الضرورة . في النهاية كانت الجامعة، وأقصد بحديثي هنا هيئات التدريس بها، تتكون علي أحسن الفروض من مجموعات منتقاة من المثقفين تم اختيارهم في مواقعهم لأسباب أخري غير مواقفهم الفكرية أو توجهاتهم السياسية . ومثل أ ى مجموعة "عشوائية" من المثقفين فإن أفرادها كانوا يتوزعون بفكرهم وميولهم، وبدرجات متفاوته من الوضوح أو الوعى، علي القوى الاجتماعية الاساسية الموجودة في المجتمع خارج الجامعات، والتي تتحدد مواقفها في الأساس بناء على الدور الذي تقوم به في عمليات الانتاج الاقتصادي والاجتماعي أو على علاقتها بهذه العمليات . بعبارة أخري أيا كان الدور الطليعي الذي يحلوا للجامعات أن تنسبه إلي نفسها، فإن هذا الدور في نهاية الأمر مرتبط بأدوار القو ى ا لاجتماعية الأصلية المختلفة وبمد ى فاعليتها . وفي الفترة التي أعرض لها 1953/1954- كانت تحركات تلك القوى الاجتماعية : الطبقات المختلفة والهيئات التي تعبر عنها والأحزاب السياسية القائمة الآن والمنحلة والمستترة وهيئات ما أصبح الآن يعرف بالمجتمع المدني، هي الأكثر نشاطًا. وأصبح هذا النشاط يصل بتأثيراته المختلفة إلي داخل الجامعات رغم القيود المختلفة التي كانت السلطة القائمة تحدها به. كان هناك أزمة حكم وأزمة سلطة وأزمة شرعية عبر ت عن نفسها بطرق مختلفة أترك لمؤرخي هذه الفترة تقصيها . علي أن أقوي تعبير عنها هو ما كان يحدث داخل مجلس قيادة الثورة ذاته. في نهاية الأمر كان يصدق على هذا المجلس ما كان يصدق علي أية مجموعةمماثلة من المثقفين : إن إنتمائاتهم الفكرية وولائتهم الاجتماعية كانت تتوزع علي أساس اعتبارات شخصية بالغة التعقيد، علي مختلف الطبقات والقوى الاجتماعية الموجودة في المجتمع ومدى استعدادهم للارتباط بها والدفاع عن مصالحها - لا يتعارض البته مع هذا القول صدق إيمان كلا منهم العميق والمخلص أيضًا بأن وجهة النظر التي يعبر عنها والمصلحة التي يبتغيها هي "مصلحة مصر " ومصلحة مصر وحدها. إن الحديث عن مصلحة مصر وحدها أو مصلحة الوطن العليا، قد يكون كافيًا لالتقاء الآراء عندما يكون الموضوع واضحًا لا خلاف حوله بين كل الوطنيين، مثل ضرورة تحقيق الجلاء أو رد العدوان، لكن عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل الأولويات التي تعطي لرؤوس الأموال الأجنبية في تحقيق التنمية أو الحد من مجانية التعليم " لكي يمكن الإنفاق علي المدارس الأكثر كفاءة وتميزا !" أو مثل من الذي يتحمل العبئ الضريبي الأكبر : الموسرون أو الموغلون في الفقر، أو مثل التورط في أحلاف عسكرية يمتد نطاقها إلي بلاد بعيدة عنا مثل تركيا - وقد كانت هذه القضايا وغيرها كثيرة مثارة وأحيانًا محلا للقرارات السلطوية المتسرعة - عندما تصبح تلك القضايا هي المثارة فلا يكفي أبدًا الحديث العام عن مصلحة الوطن العليا ويقيني أننا لابد أن ن بحث فيما وراء هذه الشعارات عمن هو الم ستفيد الحقيقي من القرارات التي تتخذ أو تقترح. لا عجب إذن، مع تطرق مجلس قيادة الثورة إلي قضايا تفصيلية من هذا النوع أن أدى اختلاف التوجهات الاجتماعية إلى اختلاف في الرأي داخل مجلس قيادة الثورة، وأد ى ذلك بدوره إلي طرح موضوع كيفية اتخاذ القرارات وسلطات مجلس قيادة الثورة أو أعضاء محدودين فيه في اتخاذ القرار، ومن ثم إلى طرح شرعية الحكم وقضية الديمقراطية بأكملها داخل المجلس. وقد تم ذلك علي مراحل متعاقبة، اتخذت أحيانًا أشكال انفجارات عنيفة داخل المجلس وفي بعض الهيئات المحيطة به مثل استقالة جمال عبد الناصر من رئاسة الوزراء في مارس 1954 وتكليف خالد محيي الدين بتشكيل وزارة كلفت بمهام محددة متصلة بوضع الأسس لانتخاب جمعية تأسيسية تقوم بوضع دستور جديد علي قواعد ديمقراطية، وحدثت تحركات من بعض تشكيلات القوات المسلحة أدت إلي إلغاء هذا التكليف...الخ. وقد وصلت أصداء هذه المناقشات والتحركات والإجراءات المضادة إلي مختلف القوى السياسية والاجتماعية والمدنية خارج مجلس قيادة الثورة والتشكيلات المرتبطة به، وبعثت فيها قدرات جديدة علي التحركات المستقلة التي تركزت في الأساس حول إطلاق وتقصي نتائجها.الأمر المؤكد أنه كان لها صد ى مباشر وقوي داخل الجامعات . وإذا اقتصرت الآن كمجرد مثال علي ما حدث داخل كلية الحقوق بالإسكندرية، كان له دون ريب نظائر كثيرة في كليات أخري، فإن أول ما لا تزال الذاكرة تعيه عن هذه الفترة أن هيئة التدريس عادت تنعقد- في مكتب العميد عادة لكن ليس بالضرورة فى حضوره- بشكل شبه نظامي ابتداء من فبراير 1954. وقد حرص بعض كبار الأساتذة علي تدوين محضر إجمالي عن موضوع الاجتماع وما يدور فيه وتفصيلي بالقرارات التي كان يتخذها المجلس كما حرصوا علي النص علي اختيار اثنين من أعضاء هيئة التدريس : المرحوم سعد عصفور و فوزي منصور للقيام بأعمال سكرتارية الهيئة ، علي أن الهيئة قد كلفتهما بإبلاغ القرارات التي تتخذ للصحف، وبالفعل كنا نذهب بعد كل اجتماع إلي مكتب جريدة الأهرام وجريدة المصري القريبين من محطة الرمل لإعطائهما صورة من القرارات . الواضح لي الآن أن الأساتذة الكبار وفي مقدمتهم أستاذ القانون الدس توري المرحوم عبد الحميد متولي، أصروا علي تدوين المحاضر وكتابة القرارات واختيار سكرتارية للمجلس مكلفة بذلك بهدف إصباغ نوع من الحماية الجماعية علي أعضاء هيئة التدريس الأكثر تعرضًا للمساءلة من السلطة . كان هؤلاء الأساتذة بعيدى النظر وكانوا رفيقين بنا. فكل ما حدث لنا هو الفصل من الجامعة بعد بضعة شهور. المحاضر لا أعرف أين ذهبت، والقرارات لا تزال محفوظة، علي الأ قل علي صفحات جريدة "المصري". هذا وقد كانت الجلسات تدور حول موضوعين اثنين لا ثالث لهما ! الحريات العامة وعودة الديمقراطية، وتفريعات هذين الأصلين من أصول الحك م مثل ضرورة إلغاء الأحكام العرفية والإفراج عن المعتقلين وإطلاق حرية تكوين الأحزاب وحرية الصحافة (إصدار وتحرير ) وحرية الاجتماع والتظاهر وضرورة وضع دستور بواسطة جمعية تشريعية ونتيجة انتخابًا حرًا يكفل للمصريين كافة الحقوق والحريات التي تنص عليها المواثيق الدولية والتي لا نزال نتمناها حتى الآن. في لحظة فريدة، أظن أن التاريخ كان 24 مارس 1954 ، بدا في ظروف الصراع الشديد التعقيد الذي كان يدور في داخل السلطة أن كل مطالبنا قد تحققت، إذ صدر قرار أو ربما قرارات من مجلس قيادة الثورة تستجيب لها جميعًا. لكن هذه القرارات جميعًا قد سحبت ، وبقرارات من السلطة نفسها، في خلال أسبوع واحد من تاريخ صدورها . فيما بعد قيل أن الاستجابة الكاملة، وفي خبطة واحدة، ودون تحفظ، للمطالب التي أجمعت عليها القوي الشعبية والسياسية ودوائر المثقفين، ومن بينها الجامعات، كانت مناورة تكتيكية بارعة هدفها أن يظهر للأجهزة المرتبطة مباشرة بالسلطة، وكان من داخل تلك الأخيرة من يتعاطف مع هذه المطالب، أن "الثورة في خطر " وأنهم هم بوجه خاص، بأشخاصهم وامتيازاتهم وسلطاتهم في خطر عظيم، وأن مصدر هذا الخطر هو الحرية التي ستؤدي حتمًا إلي عودة الرجعية . في هذه الأجواء، وفي غيبة تنظيمات شعبية كفيلة بإسقاط تلك الحجة والدفاع عن الحرية الوليدة (فكل التنظيمات كانت قد ضربت ضرب غرائب الإبل) كان من السهل علي من يملك أجهزة السلطة تدبير الانقلاب علي مكتسبات الشهرين الماضيين والعودة إلي الوراء . وأنا أقولذلك وأذكر به لأن ما حدث في الماضي، إذا لم نتعظ بدروسه ونتحوط لها، يمكن أن يتكرر، وبنتائج أسوأ في المستقبل القريب. لكي لا أكون متجنيًا، ينبغي الإقرار بأنه كان هناك محاولات مستمرة من جانب السلطة الجديدة للاتصال بالجامعات وكسبها إلي صفها، ولكن طبعًا بشروطها ومفاهيمها هي . وهناك الكثير - حتى علي المستوي الشخصي الجزئي - الذي يمكن أن يقال في هذا الشأن . وأكتفي هنا بواقعتين لا تخلوان من دلالة، أحداهما حدثت إبان احتدام المعركة في المجتمع بأسره حول الحريات والديمقراطية، والثانية بعد حسم المعركة لصالح توجهات السلطة. الواقعة الأولي هي حضور جمال عبد الناصر وكان وقتئذ رئيسًا لمجلس الوزراء، إلي كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية وتوجهه مباشرة إلي فناء الكلية الواقع خلف مبانيها : ذات الفناء الذي كان من حوالي عامين مقرًا لمعسكر تدريب الطلاب علي فنون الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال. كان عبد الناصر محاطًا بشلة من ضباط الجيش وبمئات قليلة من الطلبة لا أعرف كيف عرفوا بحضوره وتجمعوا حوله . كانت مكاتبنا تطل علي ذلك الفناء وكلماته تصل إلينا واضحة جلية، تنصب علي المخاطر التي تحيط بالثورة من أهل اليمين وأهل اليسار وارتباطاتهم المريبة القريبة والبعيدة وضرورة العمل بكل الطرق لحماية الثورة منهم . لم يتطرق أبدًا لقضايا الحرية والديمقراطية التي كانت تشغل الأذهان وقتئذ، ولا للقضايا الفرعية الأخرى المتصلة بتوجهات العمل الوطني، لم يكن هناك اتصال أو تواصل أو حتى مجرد مناقشة. الواقعة الثانية هي دعوة عدد محدود من أساتذة جامعة الإسكندرية، بعد أن استقرت الأمور وعادت السلطة بأكملها لمجلس قيادة الثورة، ولم يعد هناك – علي السطح علي أية حال _ من يناقشها أو يراجعها، للقاء السيد كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة ووزير التربية والتعليم وقتئذ . كان المدعوون من كلية الحقوق ثلاثة هم المرحومين إسماعيل غانم، وفؤاد مرسي وفوزي منصور، بالإضافة إلي ثمانية أو عشرة أحرين من كليات الجامعة الأخرى . وكان اللقاء في ثكنات مصطفي كامل بالإسكندرية . جلسنا حول مائدة اجتماع يتوسطها السيد الوزير، وبادرنا بالسؤال : أريد أن أعرف، أيه شكواكم وما هي مطالبكم وأنت عاوزين أيه . تسابق عدد من الحضور إلي تقديم سلاسل طويلة من المطالب تدور كلها حول بعض نواحي النقص في الجامعة : قلة اعتمادات المكتبات، نقص أجهزة المعامل، ضآلة بدلات الامتحانات، عدم توافر البعثات العلمية للخارج ..الخ. كنا ممثلو كلية الحقوق قد ذهبنا إلي الاجتماع دون أن نلتق ي أو نتفق علي شئ، واستمعنا إلي المناقشات الدائرة وانصرفنا دون أن يفتح الله علي واحد منا بكلمة واحدة . كلما تذكرت هذا اللقاء شعرت بقدر غير قليل من الضيق: جو مايو 1954 وجو اللقاء الذي تم في الثكنات، كان من المستبعد جدًا أن يحدث بقولنا أي نتيجة، لكنني أظن أنك عندما تدعي إلي القول عليك أن تقول كلمتك وتمضي، بصرف النظر عن المردود العاجل لما تقول. بعد شهور قليلة (ربما عقب اجتماعات مماثلة في الجامعات الأخرى لم يتصل بي علمها) تلقى عدد منا قرارات الفصل الشهيرة. (٣) لا أستطيع أن أنهي هذه الشهادة دون أن أحاول تصحيح انطباعين قد يترتبان، علي غير قصد مني/ علي بعض ما ورد فيها: الانطباع الأول حول "معدل" الأساتذة اللذين شاركوا في أحداث الجامعات في الفترة من 1951 إلي 1954 : الأساتذة اللذين اجتمعوا بشكل منتظم في عام 1951 في شكل هيئة تدريس لم تنص عليها لائحة أو قانون للتداول في قضايا الوطن الكبرى وقرروا أن يساعدوا عملية الكفاح المسلح ضد الاحتلال ورصدوا لذلك، من خلال مجلس الكلية النظامي، المبالغ التي كانت مخصصة للنشاط الرياضي ثم بعد أن نشأ نظام 1952 ورغم ما كان يحيط بجو العمل العام من قيود ومحاذير، عاودوا اجتماعاتهم بتلك الصفة ليعلنوا بكل الطرق المتاحة لهم مساندتهم لقضايا الحرية والديمقراطية ويصبغوا حمايتهم علي أعضاء هيئة التدريس اللذين نشطوا للترويج لهذه القضايا. هؤلاء الأساتذة – وذلك ما يعنيني التأكيد عليه هنا - لم يصاغوا من معدن خاص عادت الأيام وشحت به الآن على الجامعات، إن كانوا إلا مجموعة مخلطة من مثل ما تجده الآن في كلية واحدة على الدوام في كل الكليات . نعم كان من بينهم من تصدروا الصفوف وتصدوا للقيادة بصرف النظر عن التكاليف والأخطار المحتملة، علي النحو الذي تجده دائمًا في أوقات الأزمات، لكن كان من بينهم أيضًا من انشغلوا في الأساس بالمصالح الذاتية أو حتى تمادوا فيها : تجارة كتب مدرسية أو نزاعًا عل ى اختصاصات وتوزيع الدروس أو حتى سعيًا للتقرب إلى أهل السلطة ....الخ ذلك مما تجده، بنسبة توزيع متقاربة في كل الكليات بجميع الجامعات في كل أنحاء العالم، لا استثني من ذلك أكسفورد أو هارفارد المحاطتين بهالات من القداسة الكاذبة . والذين ينتظرون أو يتوقعون لكي يقوموا بدور سياسي فعال في هذه الجماعة أو تلك أن يكون كل أفرادها أو حتى معظمهم من الملائكة سوف يطول انتظارهم. وإنما الذي مكن لهيئات التدريس في الجامعات المصرية من القيام بهذا الدور المتميز في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي هو توافر ظروف موضوعية مناسبة حملت الجميع عل ى رياحها منها أن هذه الفترة من تاريخ مصر كانت قد شهدت انطلاقًا للحريات العامة قل أن عرف تاريخها الحديث نظير له، ومنها أيضًا أن القضايا الوطنية العظمي : الجلاء والاستقلال الوطني، الحرية والديمقراطية ...الخ كانت قد تبلورت وسرت روحها في كافة أنحاء المجتمع علي نحو غير مسبوق . هذا العامل وذاك أسهما في خلق تيار عارم كان يصعب علي الحاسبين والمترددين وذوى الأولويات الملتفة حول المصالح الذاتية التخلف عنه . ولا جناح عليهم بعد ذلك بعد إنكسار تلك الموجة الصاعدة نتيجة للضربات التي تلقتها من السلطة، أن يعود عدد منهم إلي سجاياهم المعتادة، لا جناح مثلا أن يقول أحد أعضاء هيئة التدريس اللذين حملوا مرتبات أول الشهر لزملائهم المفصولين لمن كانوا معه " ادحنا طيبنا خاطرهم، وخلاص بق ى كل واحد يروح يلتفت لشغله" تلك هي طبيعة العمل السياسي في ظروف المد والجذر الشديدين والحكيم من تعامل معها كما هي، دون تهوين أو تهويل كما يقولون.والفكرة التي أعود إلي الإلحاح عليها هي أن الجامعات، في نهاية الأمر، جزء من مجتمعها العريض، لا ينصلح حالها إلا إذا انصلحت مجتمعاتها، وبنفس القدر - أو ربما بقدر أقل فالجامعة، واحدة من طلائع أخري متعددة - فإن حال المجتمعات لن ينصلح بالكامل إلا إذا انصلح حال جامعاتها. الإنطباع الثاني الذي أود تصحيحه هنا، وبأكبر قدر من الإيجاز، هو أن مناورات فبراير / مارس 1954 ، وما صاحبها من إجهاض الديمقراطية السياسية وتقييد مزمن للحريات لا تصلح وحدها لكي تكون أساسًا لحكم شامل علي ثورة 23 يوليو أو علي إبطالها، وعلي رأسهم بطبيعة الحال جمال عبد الناصر . في رأيي الذي أقدمه بأكبر قدر من التواضع هو أن الثورة بمعناها الحقيقي، ودون تقليل من أهمية إلغاء الملكية والإصلاح الزراعي وتوقيع اتفاقية الجلاء المشروط (وكل ذلك قد تحقق في الفترة من 1952 إلى 1954) لم تبدأ بشكل حقيقي حتي عام 1955 . حتي ذلك التاريخ كان الصدام مع الاستعمار الإنجليزي حصرًا، وكان قاصرًا علي إجلاء الجيش البريطاني عن مصر، ودون أن يمس جذور الاستعمار وأصوله المتغلغلة في الاقتصاد والمجتمع المصري، وعلي العكس فإن سياسات النظام الجديد المفتونة بنصائح المؤسسات المالية الدولية والأمريكية وهيئات المعونة الأخرى وخبرائهم المحليين والأجانب كان من شأنها تأكيد كافة السمات التي تميز الاقتصاد المصري كاقتصاد متخلف وشبه مستعمر وتنأي به عن محاولة التطور المستقل. ولم تبدأ النقلة الحقيقية ، ولم تبدأ الثورة بمعناها العالمي ( وفي ظروف مصر التاريخية كان ينبغي أن تكون الثورة أول ما تكون ثورة معادية للاستعمار أو لا تكون علي الإطلاق ) إلا في عام 1955 ، عندما أصرت أمريكا علي إدخال مصر في حلف الشرق الأوسط وارتكبت حماقة استعداء إسرائيل لإذلال الجيش المصري علي تصوراتها أن هذا الإذلال المهني سوف يرغم القيادة الجديدة علي قبول الانضمام للحلف تلمسًا لحمايته. هذا الخطأ الأمريكي الفادح كان إشارة الانطلاق لتحول جديد أعط ى للسلطة الجديدة توجهًا ثوريًا جدي دًا باعد بينها وبين القوي الاستعمارية التي كانت تسعي جاهدة لاحتوائها وترويضها، تحول كانت نقطة البدء فيه البحث عن مصادر جديدة للسلاح مستقلة عن مصادر الغرب التقليدية، وظل يتصاعد مع تأميم قناة السويس ورد العدوان الثلاثي علي مصر وردعه في عام 1956 ، ووصل إلي ذروة تلك المرحلة، في تقديري الشخصي بتمصير المصالح الفرنسية والإنجليزية واليهودية وبعض الجنسيات الغربية الأخرى التي كانت تسيطر تمامًا علي الاقتصاد المصري، وتأميم بعضها ووضع أول برنامج شامل للنهوض بالصناعة المصرية، كل ذلك في غمار ثلاث سنوات فقط، الأمر الذي مثل في مجمله ردة محمودة عن السياسات الاقتصادية التي كانت مطبقة في السنوات من 1952 إلى 1954. وهناك طبعًا من يحلوا لهم أن يصوروا تلك السياسات المتخلفة علي أنها كانت تكتيكية مؤقتة اتخذتها السلطة الجديدة عن وعي لطمأنة الاستعمار –الأمريكي المترقب وكسب تأييده في معركة الجلاء التي كانت تخوضها ضد الاستعمار البريطاني التقليدي - ربما . لكن الذي يبدو لي من الاستقراء الدقيق لأحداث تلك الفترة ومفاهيم رجالها ولأقوال عبد الناصر نفسه وكتاباته فيما بعد . وهو ما كنت علي أيه حال أؤكد عليه في محاضراتي دون أن يتعرض قولي هذا لمراجعة من أحد عندما كنت في أواخر عهد عبد الناصر أستاذًا ثم مديرًا للمعهد العالي للدراسات الاشتراكية، هو أن تلك المرحلة الأول ى لم تكن قد اتضحت تمامًا لد ى قادة النظام الجديد ماهية الاستعمار الجديد ووسائله وأهدافه وأعوانه كما أن التجربة والخطأ، وبطبيعة الحال العدول عن الخطأ نتيجة التجربة، كانا هما الهادي الرئيسي في العديد من المبادئ للثورة الجديدة، وأن من أهم ما ساعدها علي تصويب مسارها ذلك التلاقي الفريد والمتعدد الجوانب الذي تحقق بينها وبيني ثورات التحرر الوطني التي كانت ترصد وتحقق، بمؤازرة قوية من المعسكر الاشتراكي، انتصارات تاريخية في قارات العالم الثالث . وقد كان مؤتمر باندونج واللقاءات التي تمت فيه بين عبد الناصر وبين أبطال التحرر الوطني وعلي رأسهم شواين لاي ونهرو وسوكارنو من أهم لحظات ذلك التلاقي. لقد كانت روح العصر، على المستوى العالمى، هى التحرر الوطنى من الاستعمار بشكله القديم والتمرد على محاولات الاستعمار الجديد بقيادة أمريكا للحلول محل الاستعمار القديم. لكن "روح العصر" وبعبارة أخرى العوامل الخارجية، لا تكفى أبدا لتجديد مسار ثورة ما، وإنما العبرة فى الأساس هى بتفاعلات القوى الداخلية الرئيسية فى قلب المجتمع. الذى يحمد لقادة الثورة الوليدة أنهم أدركوا روح العصر ومتطلباته واستجابوا لها وأصبحوا من أبطاله بعد أن صححوا مسيرتهم الأولى. ذلك تحول ليس من السهل أبدا أن يمارسه من كانوا بالفعل قد وصلوا إلى قمة السلطة لكنى أظن أن هذا التحول لم يكن ليحدث، أو لم يكن ليحدث بهذا الشمول، لولا الإدراك المتزايد لمن كانوا على قمة السلطة، وتحديدا جمال عبد الناصر الذى كان بالفعل شديد الحساسية للمشاعر والمصالح الشعبية، إن السياسيات الأولى التى أستهل بها النظام الجديد عهده والقائمة على الصداقة مع أمريكا والثقة بها كانت مرفوضة تماما من كافة قوى الأمة السليمة، وأن تلك السياسيات كانت من أهم عوامل معارضة تلك القوى، وفى مقدمتها فى ذلك الوقت الجامعات، السلطات المطلقة التى كان يمارسها مجلس قيادة الثورة فى عام 1954. وحقيقة لقد التقت تلك المعارضة فى ذلك الوقت حول شعارات الديمقوراطية والحرية، لكن الديموقراطية فى نهاية الأمر هى شكل لكيفية إدارة شئون المجتمع الجمعية، والحرية، بالإضافة إلى أنها قيمة عليا فى حد ذاتها، وهى الضمان الذى لا غنى عنه لكى تأتى الديمقراطية، فى ظل ظروف مجتمعهية ملائمة، بالحكام الذين يحترمون مشاعر الشعب ويستجيبون لمصالحه. والرفض الذى عبرت عنه بأشكال شديدة الوضوحهيئات عديدة، منها الجامعات، لسلطات 23 يوليو المطلقة لم يكن فقط رفضا لنظام مخالف للديمقراطية وقيد للحرات، ولكنه أيضا، وربما فى الأساس، كان رفضا لسياسات مرفوضة كان يبدو فيها واضحا للكثيرين أثر النفوذ والتخطيط الأمريكى. وقد تكفلت سلطة 23 يوليو، ابتداء من عام 1955، باقتدار وبنتائج تاريخية باهرة، بتصحيح هذا الخطأ الجسيم، لكنها لم تتمكن أبدا من إضفاء الطابع الديمقراطى الحقيقى والشامل على أسلوب ممارستها للسلطة، رغم كل ما حققته على المستوى الاجتماعى وهو كثير. وقد عاد ذلك كله فأوقعها فيما بعد فى عثرات خطيرة كانت هى، وكانت مصر والعالم العربى، بل وحركة التحرر الوطنى والإنسانى ضحيتها. ومن عاش هذه المرحلة من تاريخ مصر قد يتساءل بين الحين والآخر ما الذى كان يحدث لو أن سلطة يوليو إلى جانب تصحيح المسار الذى تحقق فى عام 1955، كانت قد استطاعت فى الوقت ذاتع أو ربما قبل ذلك الوقت فى غمار أحداث فبراير/مارس 1954، وفى استجابة للشعارات التى رفعت فى تلك الفترة أرست قواعد الحكم الديمقراطى وكفالة الحريات العامة. لكن التاريخ الذى لا يرحم ليس فيه كلمة لو. |