|
استقلال الجامعات والتدخلات الأمنية في هذه الورقة نقدم للمؤتمر العام لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية رؤية حول استقلال الجامعات المصرية، من حصيلة عمل "مجموعة العمل من أجل استقلال الجامعات"، وهي مجموعة غير رسمية أسسها بضع وعشرون عضوا من هيئة التدريس منذ حوالي عامين، والمجموعة ترحب بمشاركة كافة الزملاء المهتمين. للمشاركة يرجى إرسال بريد إلكتروني إلى march9@march9online.net متضمنا : الإسم والوظيفة والجامعة وعنوان البريد الالكتروني. تتضمن هذه الورقة : تعريف بمبدأ استقلال الجامعات – بعض الوقائع الخاصة بانتهاك استقلال الجامعات المصرية – مقترحات. لمزيد من التفاصيل حول الموضوعات والوقائع الواردة في هذه الورقة يمكنكم تصفح الكتيب الذي أعدته المجموعة. ما هو "استقلال الجامعات"؟ لاستقلال الجامعات في تصورنا ثلاث مكونات أ. الحرية الأكاديمية : ويُعرِّفها إعلان ليما للحريات الأكاديمية بأنها "حرية أعضاء المجتمع الأكاديمي، أفرادا أو جماعات، في متابعة وتطوير وتداول المعارف، من خلال البحث العلمي والدراسة والنقاش والتوثيق والإنتاج والإبداع والتدريس والمحاضرة والكتابة" ، ويحدد ذلك الإعلان أن "الحرية الأكاديمية شرط مسبق أساسي لوظائف التعليم والبحث العلمي والخدمات التي تقوم بها الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى. ويحق لجميع أعضاء المجتمع الأكاديمي أن يقوموا بوظائفهم دون تمييز من أي شكل ودون خوف من قهر أجهزة الدولة أو أي قوى أخرى"، وهذه الحرية غير معترف بها للأسف لدى الكثير من الفئات في مجتمعنا، فإلى جانب القيود الإدارية والأمنية على الحريات تضاف الكثير من المحاذير الفكرية التي تعطي للعامة صورة مشوهة عن بعض اتجاهات الدراسة والفكر والإبداع، فتعاديها أو تجرمها. ب. الاستقلال المالي والإداري : يقدم إعلان ليما السابق ذكره استقلالية مؤسسات التعليم العالي بأنها "تعني استقلال مؤسسات التعليم العالي عن الدولة وكافة قوى المجتمع في اتخاذ القرارات المتعلقة بنظمها الداخلية وماليتها وإدارتها، وكذلك استقلالها في تحديد سياستها التعليمية والبحثية والأمور المتعلقة بها"، ومؤسسات التعليم العالي لدينا ليست مستقلة بأي شكل، بل تسري عليها القرارات الإدارية التي يصدرها رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي في أبسط الأمور وفي أعظمها. ج. ديمقراطية وشفافية الإدارة : لا يكتمل استقلال الجامعات دون وعاء من ديمقراطية وشفافية الإدارة، فلا يمكن أن تدار مؤسسات مستقلة ينفق عليها من المال العام إلا بواسطة إدارة تحظي بثقة وتعاون العاملين فيها – وهم بالأساس أعضاء هيئة التدريس. فيجب أن تدير تلك المؤسسات قيادات منتخبة بشكل تصاعدي، على ألا تتدخل القيادات الأعلى في صميم عمل الوحدات الأصغر، احتراما للتخصص. كما يجب أن تتمتع تلك الإدارة بالشفافية اللازمة لإحكام رقابة أصحاب المال – وهم عموم الشعب، والقائمين عليه – وهم أعضاء هيئة التدريس والإداريين، وأصحاب المصلحة وهم الطلاب. بعض جوانب انتهاك استقلال الجامعات بموجب قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لعام 1972 تتبع الجامعات المصرية "المجلس الأعلى للجامعات" الذي يرؤسه وزير التعليم العالي، فيحدد المجلس أعداد المقبولين بالجامعات كما يقرر إنشاء الدرجات العلمية والأقسام والكليات الجديدة، بل يتدخل المجلس في صميم العمل الجامعي فيحدد توزيع ميزانيات الجامعات على البنود المختلفة، ويضم المجلس في عضويته أمين المجلس الأعلى للجامعات – المعين بقرار وزاري، ورؤساء الجامعات – المعينون بقرارات جمهورية، إلى جانب خمس من الشخصيات التي يختارها أولئك المعينون، فهناك إذن انتهاك لاستقلال الجامعات في صلب قانون تنظيم الجامعات. لا يتوقف الأمر عند حدود المجلس الأعلى للجامعات، بل يصل الأمر لأن كل من هب ودب أصبح له شأن بالعمل الجامعي فنجد لجانا في الحزب الحاكم "تقرر" مشاريع لإنشاء كليات بالجامعات. ثم يأتي دور الأمن : دخل الأمن في البداية متخفيا تحت ثوب "الحرس الجامعي" الذي يفترض حسب اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات أنه "وحدة تتحدد مهامها في حماية منشآت الجامعة وأمنها، وتتبع رئيس الجامعة مباشرة، وتتلقى منه أو من ينيبه التعليمات اللازمة لأداء هذه المهام، ويكون لأفرادها زي خاص يحمل شعار الجامعة." لكن هذا الحرس الجامعي تحول لغطاء لعمل مخبري وضباط أمن الدولة الذين يقومون بدور سياسي يتمثل في اضطهاد الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الذين يرون فيهم مناوأة أو معارضة للحكومة، ثم زاد الأمر استفحالا فتدخل الأمن في كافة جوانب العمل الجامعي ثم زاد شعور أفراده بأهميتهم فأصبحوا يأمرون وينهون ويعاقبون – بالضرب أحيانا – كل من لا يوافق هواهم. في الملخص التالي سنقدم عرضا لبعض التجاوزات والتدخلات الأمنية الخطيرة في الحياة الجامعية: الأمن وتعيين المعيدين يحدد قانون تنظيم الجامعات في المواد 133 إلى 138 كيفية تعيين المعيدين، فينص على "يعين المعيدون والمدرسون المساعدون بقرار من رئيس الجامعة بناء على طلب مجلس الكلية أو المعهد، بعد أخذ رأي مجلس القسم المختص، ويكون التعيين من تاريخ صدور هذا القرار"، ويتضح من تلك المواد أنه لا توجد وصاية لأجهزة الأمن على الجامعة فيما يخص تعيين المعيدين. لكن إدارات الجامعات استسلمت لضغوط أجهزة الأمن فأصبح المعيدون لا يكلفون إلا بعد موافقة أمن الدولة عليهم، وفي الحالات التي يصدر قرار التكليف دون موافقة الأمن يتم وقف تعيين المعيد بمنعه من تسلم العمل (كما حدث هذا العام في حالة السيد / هاني خميس محمد دويك – المعيد مع وقف التنفيذ بكلية علوم القاهرة). سفر أعضاء هيئات التدريس ومعاونيهم في مهمات علمية أو بعثات – هل يحتاج لموافقة الأمن؟ في حالات السفر لمهمة علمية أو بعثة يطلب من المرشح للسفر استيفاء استمارة معنونة "استطلاع رأي الأمن". واستيفاء هذه الاستمارة يطلب عادة قبل موافقة الجامعة على السفر، وهو ما يعني أن الجامعة لا تملك أن توافق على السفر إلا بعد موافقة الأمن. والسؤال هو فيم يستطلع رأي الأمن؟ وما هي جهة الأمن التي يستطلع رأيها؟ من يقبل الطلاب، الجامعة أم أمن الدولة؟ يتقدم الطلاب الوافدون بطلبات الالتحاق بالجامعات المصرية عن طريق إدارة الطلاب الوافدين بوزارة التعليم العالي. وتقوم تلك الإدارة بتحويل تلك الطلبات للأمن ليبت فيها. ولا تستطيع الجامعات قبول الطلاب إلا بعد رد الأمن. ودور الأمن في قبول هؤلاء الطلاب غير مفهوم، فالطلاب الوافدون يتقدمون للأمن بطلبات للتصريح لهم بالإقامة أي أن الجهات الأمنية تستطيع أن ترفض التصريح بالإقامة لمن ترى أنه يمثل خطرا على أمن البلاد. الأمن والبحث العلمي يتدخل الأمن في كثير من الجوانب المتعلقة بالبحث العلمي، وفيما يلي عدد من الوقائع يتمثل فيها هذا التدخل: 1. في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة رفض الأمن دعوة الإعلامي / حمدي قنديل لندوة كان ينظمها مركز بحوث الدول النامية بالكلية. 2. في كلية الآداب بجامعة عين شمس رفض الأمن دعوة الأستاذ الدكتور حسن حنفي لمناقشة كتابه "من بغداد إلى مانهاتن" في الصالون الثقافي للكلية. 3. في نفس الكلية رفض الأمن دعوة وجهتها الأستاذة الدكتورة رضوى عاشور للأديب / بهاء طاهر لنقاش مع طلاب الدراسات العليا. 4. منذ عدة سنوات عممت إدارة الأمن بوزارة التعليم العالي خطابا على الكليات والأقسام الجامعية تطلب فيه "الحصول على موافقة أمنية مسبقة" قبل إجراء أبحاث مشتركة مع شريك أجنبي، أو دعوة أساتذة أجانب، أو الدخول في مشروعات علمية مع جهات أجنبية ... إلخ. التدخلات في النشاط الطلابي وضعت لائحة الاتحادات الطلابية الصادرة عام 1979 النشاط الطلابي تحت الوصاية الكاملة للإدارة، لكن حتى تلك اللائحة بقيودها الكثيرة لم تعط للأمن (لا أمن الجامعة ولا أجهزة أمن الدولة) حق الإشراف على الأنشطة الطلابية. رغم ذلك نجد أن الأمن يتدخل بشكل مستتر أحيانا وسافر في أحيان أخرى لتقييد كافة مظاهر النشاط الطلابي. أول أنواع ذلك التدخل هو سياسة "الشطب" للمرشحين في انتخابات اتحادات الطلاب، في العام الجامعي 2005-2004، تم شطب مرشحي التيار الإسلامي من انتخابات الاتحادات بكافة الكليات بالجامعات المصرية، فشطب 47 مرشحا في تجارة القاهرة، 36 مرشحا في دار العلوم، 36 مرشحا في كلية طب القاهرة، 28 مرشحا في علوم القاهرة ... إلخ. نورد هذا المثال لتوضيح أن الشطب يتم لتيار سياسي معين مما يؤكد أن قرار الشطب هو قرار أمني وليس متصلا بالشئون الطلابية الصرفة. شطب آخر يتم للأسر الطلابية، فيرفض تسجيل أسر معينة رغم استيفائها لشروط التسجيل، ويتم هذا بالذات مع الأسر المعروف أن أعضاءها أو رائدها من أصحاب توجه سياسي معين. في جامعة القاهرة رفض تسجيل أسر: "صلاح الدين" بكلية الطب، "الفاروق" و"الريحان" بكلية العلوم، "زهرة الغد" بكلية التجارة، وربما أسر أخرى لم تصل لنا أخبارها. التجاوزات والاعتداءات على أعضاء هيئة التدريس والطلاب فى ظل سيطرة الأمن على الحياة الجامعية وتغلغله في كافة نواحيها، برزت مجموعة من الحوادث المفزعة، حيث بلغ من غطرسة رجال الأمن وتسلطهم أن قام بعضهم بالتعدي البدني على بعض الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والحقيقة ان هذا التدهور هو امر طبيعى لا يجب أن يثير لدينا الدهشة، فأى جهاز يعطى سلطات واسعة، دون حدود قانونية صارمة، وتفتقد إلى أية آلية للمحاسبة، ينتهى به الحال دائما إلى سلوكيات أقل ما توصف به هو البلطجة، وتتحمل السلطات الجامعية مسئولية رئيسية هنا، بعزوفها شبه التام عن كبح جماح رجال الأمن داخل الجامعة. فيما يلى نرصد عدد من الوقائع التى تدلل على ما ذكرناه عاليه: 1. ضابط مباحث أمن دولة يدعى عمرو سمير (على الأقل هذا هو اسمه الذى يعرفه به الطلاب) يتواجد بشكل دائم ومعلن فى جامعة القاهرة مع ضباط الحرس وفى مكاتبهم ويقوم باستجواب الطلاب والاطلاع على تحقيق الشخصية الخاص بهم داخل مكاتب الحرس، كما يتواجد مع ضباط أمن دولة آخرين في تجمعات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس (مثل الوقفة التي نظمها النادي يوم 15 مايو أمام قبة الجامعة). 2. فى أكثر من حادث استخدم الأمن طالب أو أكثر للتعدى على الطلاب الذين يقومون بأنشطة ذات طابع احتجاجى أو افتعال المشاجرات معهم، حدث هذا في كلية حقوق القاهرة في بداية العام الدراسي الحالي كما حدث في شهر مارس بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة مرتين: مرة مع طلاب التيار الإسلامي ومرة مع طلاب من حركة 20 مارس، ثم تكرر مرة أخرى في حقوق القاهرة. 3. قام الملازم أول محمود محمد أسامة خيرى، الضابط بحرس جامعة عين شمس يوم الأحد 7/ 11/ 2004، بسب وضرب الدكتور عادل عنانى الأستاذ المساعد بكلية الآداب – جامعة عين شمس وتمزيق ملابسه فى داخل حرم الجامعة، ثم تهاونت إدارة الجامعة في اتخاذ أي إجراء ضد الضابط المعتدي، وأخيرا وليس آخرا تم تحويل الدكتور عادل عناني لمجلس تأديب جامعي بتهمة ضرب الضابط !!! وتلك الواقعة الأخيرة تفصح عن تفاصيل خطيرة: أ. عندما توجه الدكتور عناني إلى قسم الوايلي لتحرير محضر بالواقعة، أفاده مأمور القسم بأن تحرير هذا المحضر من اختصاص حرس الجامعة بوصفه نقطة شرطة تابعة لقسم الوايلى. ب. في مذكرة التحقيق التي قدمها لرئيس الجامعة الأستاذ الدكتور/ أحمد صبحي العطار – الأستاذ بحقوق عين شمس، يقر بأن "ولم نقم فى هذا التحقيق باستدعاء الضابط المدعو محمود محمد اسامة خيرى لانه كضابط لا ولاية لنا عليه".
مشاركة إدارات بعض الجامعات في قهر الطلاب وأعضاء هيئة التدريس كما رأينا في واقعة ضرب الدكتور/ عادل عناني، وقفت إدارة الجامعة في صف ضابط الأمن ضد عضو هيئة التدريس. وهناك مواقف أخرى من نوع مشابه: 1. في 17 أبريل الماضي وجه رئيس جامعة المنيا خطابا لعدد من الأساتذة يهددهم فيه بتحويلهم للتحقيق في حال مشاركتهم في مسيرة سلمية داخل الجامعة، ولم يتراجع رئيس الجامعة عن موقفه إلا مع تصاعد الاحتجاج ضد موقفه وعلمه بنية عدد كبير من أساتذة الجامعات لتنظيم وقفة تضامنية مع الأساتذة المهددين بالتحقيق. 2. في أبريل 2004 قام رئيس جامعة أسيوط بفصل خمسة عشر طالبا لمدد تتراوح بين أسبوعين إلى شهر، عقابا على مشاركتهم في مسيرة غضب بشأن اغتيال الشيخ أحمد ياسين. 3. استدعى عميد كلية التجارة – جامعة القاهرة، إحدى الطالبات مع ولي أمرها لتأنيبها على مشاركتها في مظاهرة طلابية يوم 21 فبراير 2005. مقترحات تُظهر تلك الوقائع والمشكلات ضرورة العمل على تفعيل استقلال الجامعات وتحجيم تدخل الأمن في الحياة الجامعية، ونقترح: 1- الالتزام باحترام الحرية الأكاديمية والفكرية للجامعيين خلال ممارستهم للتدريس والبحث العلمي، على ألا يحد هذه الحرية إلا المتعارف عليه من أخلاقيات البحث العلمي وقواعد التعليم في كل تخصص. 2- تعديل قانون تنظيم الجامعات لينص على: أ. أن يكون دور المجلس الأعلى للجامعات دور تنسيقي محض. ب. أن تتمتع الجامعات بالاستقلال المالي والإداري التام، مع التزام الدولة بتقديم تمويل مناسب بوصفها الأمينة على المال العام. ج. تدار الجامعات من خلال مجالس الأقسام والكليات والجامعات، وتنتخب تلك المجالس رؤسائها بشكل ديمقراطي. 3- إعادة تشكيل الحرس الجامعي من أفراد تعينهم الجامعات ويتبعون فعلا للإدارة الجامعية، ومنع تدخل أجهزة وزارة الداخلية في الجامعة إلا في الأمور الجنائية التي تخضع للقانون العام، وذلك بإذن رئيس الجامعة.
|