عيد استقلال الجامعة 2005

احتفل لفيف من الجامعيين بعيد استقلال الجامعة في يوم الأربعاء 9 مارس 2005، وذلك في ندوة حول "الجامعة المصرية بين التمويل العام والخاص" عقدت بمركز بحوث التنمية والتخطيط التكنولوجي بجامعة القاهرة واستمرت ما يزيد عن ثلاث ساعات.

أدار الحوار: أ.د. مديحة دوس و أ.د. عبد الجليل مصطفى

قام أ.د. محمد أبو الغار بإلقاء كلمة تقديم قصيرة شكر فيها رئيس الجامعة و المسئولين عن مركز بحوث التنمية على تخصيص القاعة للمجموعة. وقدم الدكتور أبو الغار الندوة بالنيابة عن أعضاء مجموعة العمل حول استقلال الجامعات فذكر أن هذه المجموعة تهدف للدفاع عن إستقلال الجامعة و محاربة القوانين التى تهدد هذا الإستقلال. كما ذكر أن المجموعة ليست جمعية أو حزب و أنها مستقلة تماما و ليس لها رئيس و إنما أعضاؤها جميعا يمارسون الديمقراطية التامة فيما بينهم من حيث المناقشة و إتخاذ القرارات الخاصة بالمجموعة، كما أن المجموعة تمول تماما من أعضائها. و المجموعة مفتوحة لإنضمام أى عضو هيئة تدريس إليها.

أكد الدكتور أبو الغار أن المجموعة غير مناوئه لإدارة الجامعة و أنما هى مجموعة ديمقراطية تسعى إلى إقامة جامعة مصرية ديمقراطية و مستقلة و هى فى هذا الإطار يمكنها أن تكون أداة لمساعدة إدارة الجامعة.

§     أ.د. رشدى سعيد الجيولوجى الكبير و الذى شغل منصب أستاذ بجامعة القاهرة فى الفترة من 1950 حتى 1968 كان أول من تحدث فى هذه الندوة و كان موضوع محاضرته هو: "هل هناك مستقبل للبحث العلمى فى مصر؟"

الدكتور رشدى بدأ بالتأكيد على ما نعلمه جميعا من أن البحث العلمى فى مصر يمر بأزمة كبيرة.

وأرجع أزمة البحث العلمي إلى أزمة النظام الاقتصادي الذي أخذت به مصر منذ السبعينات، والذي كرس الاعتماد على إستيراد العدد و المواد و العلم و النتائج العلمية فيبدو هذا حلا أسهل و أقل تكلفة من الإستثمار فى البحث العلمى.  بالإضافة إلى جو من التخلف العلمى و الثقافى العام الذى يعم المجتمع، مشيرا إلى أن جو التخلف هذا قد تغلغل في الجامعة بعد مذبحتي 1946 و 1954.

وأوضح د. رشدي سعيد ارتباط تطور البحث العلمي في مصر بمحاولة بناء اقتصاد وطني، ففي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين نشطت الأبحاث الزراعية التي عملت على استمرار تفوق القطن المصري في الأسواق.  ومع بدء دخول مصر ميدان الصناعة في النصف الثاني من القرن العشرين زاد الاهتمام بالبحث العلمي واهتم الباحثون بمعالجة الخامات اللازمة لصناعات الزجاج والصيني والحراريات وهي الصناعات التي كانت قد بدأت في ذلك الوقت، وفي تلك الفترة كان مستوى البحث العلمي المصري من ناحية التجهيزات والمعامل ومستوى الأبحاث يضاهي مستواه في الدول المتقدمة. وانتعش البحث العلمي أكثر في نهاية الخمسينيات وخلال الستينيات مع عملية التصنيع وبناء القدرات العسكرية.

ويرى الدكتور رشدي أن البحث العلمي في تلك الفترة لم يؤد ما كان مأمولا منه لانعدام التواصل بين مراكز البحث العلمي ومؤسسات الصناعة.

بعد ذلك أشار الدكتور رشدي سعيد إلى تقلص نشاط المؤسسات العلمية منذ تبني سياسة الانفتاح مع انفتاح باب الاستيراد وإهمال المؤسسات الصناعية وهجرة العلماء لبلاد النفط، بينما تخلت المؤسسات العلمية عن العمل على استكمال المعامل في مصر وقبلت أن يحط بها الخبراء الأجانب ويمولوا الأبحاث التي تروق لهم. أيضا نشأ جيل من رجال الأعمال لا يهتمون للبحث العلمي المحلي وإنما يعملون على نقل التكنولوجيا من الخارج.

وإنتهى د. رشدى سعيد إلى أنه لم يحدث فى تاريخ مصر أن إستطاع أحد إدارة البحث دون مساعدة من الحكومة و يرى أنه إذا أرادت مصر الخروج من هذا المأزق فلابد من تنمية قدراتها المحلية و مصادرها من الطاقة و المياة و هو ما يجب أن تبدأه الحكومة المصرية و تشترك فيه المنظمات البحثية.

§     كان أ.د. محمود عبد الفضيل أستاذ الإقتصاد هو المتحدث التالى:

و قد استهل المحاضرة بتأكيد أهمية النضال نحو إستقلال الجامعة المصرية و هو ما يرى الدكتور محمود أنه على صلة بطرق تمويل الجامعة و أيضا بالقوانين التى تسن ضد إستقلالها و على رأسها قانون تعيين العمداء و الذى يؤثر سلبيا على أسلوب إدارة الجامعات. و قد أعطى الدكتور محمود أمثلة على ما ذكره بظاهرة الجامعات الأجنبية الجديدة فى مصر و التى إنضمت إلى الجامعة الأمريكية، من جامعة فرنسية و ألمانية و كندية... و كلها تحمل برنامج علمى خاص  و تمويل خاص.

و قد نوه الدكتور محمود إلى أن الجامعة المصرية ستفقد أهميتها و تأثيرها و ذلك بدأ من إنشاء أقسام لغات داخل الكلية الواحدة و تحولت اللغة من أداة علم إلى أداة للإنقسام الطبقى و التمييز بين الطلاب. و هذا التمييز و الذى يبدأ من الدراسة ما قبل الجامعية سيجهض النهضة الوطنية، فالجامعة هدفها أن تخرج الطلائع الفكرية و السياسية و العلمية من داخل تيار رئيسى وطنى.

رأى د. محمود أنه من الممكن أن إعادة الجامعة الأهلية لكى تخدم المصريين بتبرعاتهم فتصبح جامعة وطنية. و إنتقد إنشاء المراكز الكثيرة و التى لا تقوم بدور حقيقى فى البحث العلمى و إنما تكرس لإقامة الندوات بدون وجود مشروع بحثى جاد يتم إنجازه و مناقشته. كما يتم إنشاء هذه المراكز بدون تمويل حقيقى أو بتمويل خارجى و بالتالى يفقد المركز البحثى حريته و يضطر إلى إتباع أجندة بحثية بعينها إرضاء لجهة التمويل.

إنتقد أيضا الدكتور محمود عبد الفضيل عدم محاولة تحسين وضع الأستاذ و عدم إحترام حقه فى الحياة الكريمة. كما إنتقد طريقة الترقيات و التى تتم بأوراق منقولة أو مقتبسة و لا تحتكم إلى تقييم علمى أو إلى نشرها فى مجلة معترف بها.

و أخيرا نوه إلى الحرب الأهلية الفكرية المتوقع حدوثها بين خريجين من جامعات مختلفة تماما من حيث الثقافة و الإتجاهات و الولاء و أيضا القدرات.

§     كانت المحاضرة التالية للأستاذ الدكتور محمد حسن عبد العزيز أستاذ اللغة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

قدم الدكتور محمد تحية خاصة للرواد الذين ساعدوا فى إنشاء الجامعة المصرية الأهلية و الذين يظلون حافزا لنا جميعا على الإستمرار فى الدفاع عنها.

أكد المتحدث أن القضية تعنى أبناء الوطن جميعا و أن إستقلال الجامعة و البحث العلمى هما مطلبان هامان فى مواجهة القيود التى تكبل الجامعة و من أهمها أن القرار في التعيين والترقي والسفر للمؤتمرات ... إلخ يتخذ بواسطة جهات لا تعنيها الجامعة المصرية في شيئ. و حيث أن التربية الإستقلالية هي شرع الجامعة منذ أنشئت فى 1908 من أبناء مصر، و حيث أنها نشأت مستقلة و كان يديرها مجلس منتخب بالإقتراع السرى، فيرى الدكتور محمد أن وضع الجامعة اليوم بعد سلسلة طويلة من القوانين التى انتهت أخيرا بقانون عام 2000 الذى تم مروره فى مجلس الشعب ليلا يرى المحاضر أن كل هذه القوانين تكبل العاملين بالجامعة.

أكد المحاضر على حقيقتين ألأولى هي تدني العملية التعليمية والبحث العلمي والذي أرجعه إلى أن القرار الجامعي ليس نابعا في كل الأحوال من الإرادة الحرة لمن ينسب لهم القرار، و الحقيقة الثانية هي أن التقدم في جامعات أوروبا وأمريكا نبع من استقلال تلك الجامعات وحرية البحث العلمي بها.

ثم تابع الدكتور محمد حسن عبد العزيز بأن الجامعة مؤسسة وطنية مهمتها البحث العلمى و التعليم فى خدمة جميع طبقات المجتمع و لتحقيق هذا يجب ضمان استقلالها. و يجب التأكيد على أن القسم المختص هو الوحدة الصغرى الذي تتمثل فيه الإدارة الجامعية المستقلة و أن مجلس الكلية يعتمد قرارات هذه الوحدة و أن العميد لابد أن ينتخب لضمان إستشارته لناخبيه بدلا من تلقى التعليمات ممن عينوه.  رؤساء الأقسام يختارون وفق الكفاءة العلمية و الإدارية، و المجلس الأعلى للجامعات ينظر فى السياسات و لا يوصى و ليس له حق تنفيذ أيا منها.

يجب النظر إلى الجامعة كمؤسسات وطنية تخدم المجتمع و ليست فى صراع مع الدولة فيجب أن يعملا كشريكان لخدمة الشعب. يجب أن يتم إنشاء جامعات جديدة وفقا لشروط علمية فلا يهدف إلى الربح و لا تؤثر سلبا على المناخ الذى يدرس فيه الطلاب، يجب أيضا على هذه الجامعات أن توفر منح أو أماكن للطلاب الغير قادرين. أما عن إنشاء أقسام خاصة باللغة الأجنبية فيرى المحاضر أن هذا يزرى بلغتنا العربية و ينشئ إنقسام بين الطلاب على أساس طبقى ، و حيث أن هذه الأقسام تنشأ بأموال الشعب فليس من المعقول أو المنطقى أن تخدم فقط أبناء الصفوة منهم، فلماذا يقدم تعليم مميز لطالب دون غيره؟

§     الأستاذة الدكتورة رضوى عاشور أستاذ الأدب الإنجليزى جامعة عين شمس كانت هى المتحدثة التالية.

و قد بدأت محاضرتها بسؤال حول إمكانية أن تكون الجامعة بخير فى مجتمع مأزوم؟ و هو مأزوم إقتصاديا و سياسيا و ثقافيا. فى واقع تمص أبسط الحقوق الديمقراطية و فى واقع التعليم ما قبل الجامعى فيه منهار.

و كانت الإجابة أنها فى الحقيقة لا تعتقد أن هذا ممكن، و أن عموم ما يمكن إنجازه هو محدود و معزول قد يشترك فيه أستاذ و طالب. و ترى أن عموم المجتمع بسبب أزمته و فساد نظامه يعيش واقعا تجاريا فجا، و الطلاب موزعين بين التلقين و القمع آملين فى الحصول على شهادة لا على معرفة.

انتقدت الدكتورة رضوى الجامعات الخاصة من حيث أنها أعادت إنتاج نفس مشكلات الجامعات الحكومية بشكل هزيل بالإضافة للجانب التجاري الفج.

أما عن الهرولة نحو إنشاء جامعات أجنبية فهى متوازية مع الهرولة السياسية نحو نفس الإتجاهات الإجنبية. و فى حين توفر هذه الجامعات تعليم أفضل فهى فى نفس الوقت مفصولة عن المشروع الوطنى كما أنها تعيد إنتاج الطبقية فى المجتمع المصرى على أساس نوع التعليم.

و تعود المحاضرة إلى أنه "لا فائدة حقيقية إلا بتغيير كل شئ" لكنها تؤكد فى نفس الوقت أن الإنسان يظل يحاول و فى إطار هذه المحاولة فهى تدعو إلى إنشاء نقابة لأساتذة الجامعات، و الاستمرار فى الدفاع عن الديمقراطية داخل الجامعة و التوسع ليشمل هذا الدفاع عن مستوى الجامعة العلمى و المعرفى و الأخلاقى و إنشاء و لو مجموعات عمل متفرقه داخل الجامعات لضمان جودة العمل فى هذه الأقسام، على الأقل لكى تصبح هناك نماذج لتعليم و بحث أفضل فى الجامعة التى أصبحت جامعة الفقراء.

بهذا إنتهت المحاضرات

وفي بداية الجلسة الثانية قام الأستاذ الدكتور رؤوف عباس بتقديم إقتراح بإنشاء لجنة وطنية للنهوض بالتعليم الجامعى تتكون من نواة هى مجموعة 9 مارس و تكون مفتوحة لكل أعضاء هيئة التدريس من أجل تقديم رؤيا وطنية مستقلة لما يمكن عمله من أجل النهوض بالتعليم الجامعى.

ثم انتقلت الندوة إلى الشهادات و قد قدمها:

§     أ.د. فاطمة موسى أستاذ الأدب الإنجليزى جامعة القاهرة

والتي تحدثت عن تجربتها الشخصية فى التعليم المجانى القبل والجامعى و الجامعى و الذى مكنها من الوصول إلى ما وصلت إليه من درجة علمية و جامعية بالرغم من سوء أحوال أسرتها الإقتصادية. و هو ما أتيح لأبناء الشعب عن طريق المجانيات التعليمية و المنح المتوفرة لمحدودى الدخل من المتفوقين فى ما سبق و ما تلى قيام الثورة. بينما لم تتح نفس الفرص لمن لم بكونوا من المتفوقين.

تحدثت أيضا عن وضع الفتاة المصرية من التعليم و عن القيود المفروضه عليها فى ذاك الحين و تمييز الذكور عنها فى أولويات التعليم داخل الأسرة الواحدة. و ذكرت أن الأميرة فاطمة إسماعيل عند تبرعها لإنشاء الجامعة المصرية أنشأت مجانية خاصة بالفتيات فكانت تعفى الفتاة من مصاريف الدراسة.

 §     قدم أيضا أ.د. عطية عأشور أستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة شهادته، فقدم رؤيته لتطور مجانية التعليم فى مصر و تساءل عن جدوى التشدق بمجانية التعليم اليوم فى ظل ما نعلم جميعا أنه يصرف على الكتاب الجامعى ردئ المستوى و على الدروس الخصوصية.

تطرق أيضا الدكتور عطية إلى فساد جزء من أعضاء هيئة التدريس و الناتج عنه تدنى الاوراق المقدمة لترقية أعضاء هيئة التدريس. و لفت الإنتباه إلى أن عضو هيئه التدريس يجب أن يعين من بين متقدمين فيتم إختيار الأفضل و لا يتم ترقيته بطريقة تلقائية.

 §     الشهادة الثالثة كانت عبارة عن مقطع من السيرة الذاتية للدكتور رؤوف عباس "مشيناها خطى"

فوصف لنا الصعوبات التى واجهته كخريج ثانوى يبحث عن عمل فى ظل ظروف إقتصادية خاصة و عامة صعبة و كيف أنه إلتحق بالجامعة بمحض الصدفة و بالرغم من إعتراض الأب و عدم قدرته المادية على إعالته إثناء دراسته.

 

بهذا إنتهت الندوة و فتح باب النقاش و تطرق المتحدثون إلى موضوعات شتى، و كانت المشاركة إيجابية.