نظم الاعتماد ومشروع القانون الخاص بإنشاء

الهيئة القومية للاعتماد وضمان جودة التعليم

 مقدمة

شهد العقدين الأخيرين نزوعا في العديد من دول العالم لتنظيم عمليات "الاعتماد " للمؤسسات التعليمية وخاصة في التعليم العالي، وقد طالت تلك الموجة مصر منذ عدة سنوات – ربما بضغوط خارجية – لتتعالى الدعوات بإنشاء نظام للجودة الشاملة للتعليم، وبدأت الدولة في اتخاذ الخطوات نحو ذلك بعرض قانون بعنوان "إنشاء الهيئة القومية للاعتماد وضمان جودة التعليم".

وسنعرض هنا عدة ملاحظات حول المشروع المقدم مقارنة بنظم الاعتماد في البلدان الأخرى، كما سنقدم عددا من التساؤلات والاعتراضات الخاصة بتوافق هذا المشروع مع نظم التعليم الجامعي. ومن الجدير بالملاحظة أن نقاشنا ينحصر في شق "التعليم الجامعي" من المشروع المقدم دون التعرض للجوانب الأخرى.

 نظم الاعتماد والجودة الشاملة

1- الدوافع وراء انشاء نظم للاعتماد:

أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية نظاما للاعتماد منذ أكثر من ستين عاما، وذلك نتيجة تعدد وتباين المؤسسات التعليمية وعدم وجود نظام معايرة مركزي بالأساس.

وفي العقد الأخير من القرن العشرين بدأت عدد من دول أوروبا الغربية في ادخال نظام الاعتماد رغبة في إيجاد درجة من التوافق بين النظم التعليمية المختلفة في تلك البلدان، ثم أقر هذا التوجه كوسيلة نحو تحقيق التقارب التعليمي على مستوى الاتحاد الأوروبي وذلك فيما سمي "مشروع بولونيا".

أدخلت عدة بلاد في أوروبا الشرقية وآسيا نظم الاعتماد رغبة منها (أو اضطرارا) للالتحاق بالسوق العالمي للخدمات التعليمية (الذي تنظمه اتفاقية ال GATS ) فعن طريق نظم الاعتماد يمكن للدول السماح بدخول الموردين الأجانب للخدمات التعليمية مع امكان تقييدهم (بعد اعطائهم الاعتماد لو قدموا خدمة رديئة)، كما تسمح الاتفاقية للدول بتصدير خدماتها التعليمية للخارج (بشرط اعتمادها من البلد المستورد) أو تسويقها باجتذاب طلاب أجانب.

2- أهداف نظام الاعتماد:

تعلن مؤسسات الاعتماد أن هدفها هو إعلام المؤسسات التعليمية ومتخذي القرار والمستفيدين (الطلاب وأولياء الأمور ومؤسسات التوظيف) بمدى توافق البرامج التعليمية مع ما تعلنه المؤسسات التي تمنح الدرجات العلمية. ويرى القائمون على نظم الاعتماد أن ذلك الإعلام يساعد المؤسسات التعليمية على تطوير برامجها بما يحقق مستوى أعلى من التوافق.

3- مفهوم الاعتماد:

منظومة الاعتماد والرقابة على جودة التعليم لا تضع معاييرا قياسية مطلقة للجودة، وإنما تقيم توافق البرامج مع ما تضعه المؤسسات التعليمية من أهداف لبرامجها التعليمية، ولو تصورنا أن الهيئة ستضع معاييرا مقتبسة من المعايير الأوروبية مثلا لجودة التعليم في المجالات العلمية والتكنولوجية فلا شك أن كافة مؤسساتنا التعليمية ستفشل في الحصول على شهادات الاعتماد المطلوبة. أهمية شهادة الاعتماد وتقرير الجودة أنه يضع أمام المستفيدين والرأي العام صورة قابلة للفهم من غير المتخصص حول تحقيق برنامج دراسي معين لأهدافه، مثلا لو وضعت إحدى كليات الطب هدفا لبرنامجها "تخريج طبيب قادر على تشخيص الأمراض الدارجة ووصف علاجها" سيكون على تقرير الجودة أن يتناول ما يتضمنه البرنامج الدراسي من معارف نظرية وتدريب معملي واكلينيكي حول تلك الأمراض، ويخرج التقرير باستنتاج إما أن المقررات النظرية والمعملية والتدريب الاكلينيكي الموضوعة في البرنامج كافية لتحقيق هذا الهدف أو غير كافية.

4- الأثر القانوني

ليس لمؤسسات الاعتماد ولا لتقاريرها تأثير مباشر من الناحية القانونية على المؤسسات التعليمية، في الولايات المتحدة الأمريكية يؤثر عدم حصول المؤسسة على الاعتماد في الدعم الفيدرالي المقدم لها، وفي بعض البلاد الأوروبية أيضا تعطي الحكومة للمؤسسة مهلة لتحسين مستواها ثم يحق لها بعد ذلك تخفيض الدعم الحكومي لها.

5- من يقوم بالتقييم

 في كافة نظم الاعتماد تقوم باعداد تقارير الجودة والاعتماد مؤسسات متعددة، بينما تقوم مؤسسة كبرى (حكومية أو أهلية) بالترخيص لتلك المؤسسات التي تقوم بالاعتماد، يضمن ذلك النظام استقلال الهيئة التي تقوم بإعداد تقرير الجودة تماما كما يساعد على الموضوعية من خلال تنافس عدة هيئات على اكتساب الاحترام والثقة في تقاريرها.

 نقد المشروع

1- الدوافع:

المفترض أن تقدم المذكرة الإيضاحية الدافع الذي جعل الحكومة تقدم هذا المشروع، والدافع لا يمكن أن يوضع في عبارات إنشائية وحماسية مثل "احتياج مصر لقدرة شبابها …"، لابد من توضيح الدور الذي ستلعبه هذه الهيئة في منظومة التعليم داخليا وخارجيا والإجابة عن أسئلة مثل: ما فائدة الاعتماد في الاعتراف بالشهادات المصرية في الخارج؟ هل يساعد نظام الاعتماد على مقاومة احتمالات الإغراق في الخدمات التعليمية؟ وذلك بالمقارنة بالنظام الحالي وهو نظام الاعتراف بالشهادات من خلال المجلس الأعلى للجامعات.

تتجاهل المذكرة الإيضاحية ومشروع القانون أيضا أهم مزايا نظام الاعتماد وهو إدخال مفهوم "الجودة الشاملة" في تقييم البرامج التعليمية، وعناصر الجودة الشاملة لابد أن تتضمن الأسس المعرفية، الإدارة، الإمكانيات المادية، اختيار الطلاب، المحتوى التعليمي، أسلوب تقييم تحصيل الطلاب … إلخ.

2- أهداف المشروع:

نلاحظ غموض الهدف في المشروع، الهدف الذي تعلنه الحكومة هو الارتقاء بجودة التعليم (كما هو مذكور في المادة 3 من المشروع)، لكن العلاقة بين "الاعتماد" والارتقاء بالجودة غير واضحة، لدينا حاليا نظام للاعتماد هو اعتراف المجلس الأعلى للجامعات بالشهادات، هذا النظام لم يساعد على الارتقاء بالجودة، فلماذا نتصور أن الهيئة الجديدة ستنجح حيث فشل النظام السابق؟

في المادة 4 يحدد المشروع وسائل الهيئة، لكن المشروع لا يوضح كيف سيتم مساعدة المؤسسات التعليمية على الارتقاء بجودة التعليم، أعمال الهيئة المزمع إنشاءها المعدودة في المادة 4 من مشروع القانون تتضمن عبارات انشائية حول "وضع الاستراتيجيات والسياسات" (أليست هذه مهمة الحكومة؟)، وفي الفقرة 13 من نفس المادة نجد "تقديم المشورة والنصح للمؤسسات التعليمية"، لكننا نعلم أن أغلب أوجه القصور في نظامنا التعليمي ترجع للقرارات السياسية (مضاعفة أعداد الطلاب دون دراسة، السماح بإعارة أعضاء هيئة التدريس لمدد طويلة وعدم تفرغهم) أو لنقص الإمكانيات المادية (مثل المكتبات والمعامل .. إلخ)، فربما يكون من الأولى أن تقدم الهيئة النصح للحكومة.

3- مفهوم الاعتماد:

المفهوم غير واضح اطلاقا في المشروع وإنما يذكر عوضا عنه عبارات مثل "الوقوف على مستوى الأداء ومدى جودته" والتي توحي بأن معايير الجودة مطلقة.

4- علاقة المشروع بالجامعات واستقلاليتها:

يتعامل المشروع منذ بدايته على أن الجامعات (ومؤسسات التعليم العالي عموما) لا تتمتع بأي استقلالية، فينص في مادته الثانية على أنه يتعلق ب "الجامعات والكليات والمعاهد العليا التابعة أو الخاضعة لوزارة التعليم العالي"، ثم يصل المشروع في انتهاك استقلال الجامعات إلى مادته رقم (13) التي تعطي لوزير التعليم العالي سلطة تصل لحد إغلاق الجامعة. المشكلة أن الجامعات الحكومية (التي يمكن للوزير فعلا التهديد بإغلاقها) يتردى فيها التعليم بسبب سياسات الوزير نفسه أو الوزراء السابقين، ولن يتقدم مستوى التعليم بها إلا بإبعاد الحكومة والسياسيين عن التدخل في شئونها. يجب ألا تكون لتقارير الهيئة أي عواقب تؤثر على استقلال الجامعات.

5- جودة التعليم والبحث العلمي:

لايتعرض المشروع اطلاقا للبحث العلمي، رغم أنه من المستقر والمعروف أن التعليم الجامعي الجيد لا يمكن أن يتم إلا في مؤسسات بها بحث علمي جاد.

6- دور الهيئة

تقوم الهيئة بدورين متعارضين، فهي تقوم بعمليات التقييم لجودة التعليم، وترخص لأفراد!!!! ومؤسسات بممارسة أعمال التقييم. يجب قصر دور الهيئة على أحد هذين الدورين.

7- استقلالية الهيئة:

يجب اكساب الهيئة وضعا مماثلا لوضع الجهاز المركزي للمحاسبات من خلال النص على أن

"يعين مجلس الشعب بناء على ترشيح من لجنة التعليم والبحث العلمي مجلسا لإدارة الهيئة من أحد عشر عضوا، على ألا يكون من ضمنهم من تولى وظيفة إدارية في إحدي الجامعات قبل تعيينه بعامين على الأقل، كما يمنع أعضاء مجلس الإدارة من تولي أي وظيفة إدارية أو استشارية في المؤسسات التعليمية الخاضعة للقانون خلال عضويتهم للمجلس أو بعد تركهم له بعامين، وتكون مدة العضوية بمجلس الإدارة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ويحدد مجلس الشعب رئيس الهيئة ونائباه من بين أعضاء مجلس الإدارة".

 

المراجع

1- Evaluation of European Higher Education: A Status Report,  Prepared for the European Commission, DG XXII by The Centre for Quality Assurance and Evaluation of Higher Education,
(
Denmark) in cooperation with Comité National d’Evaluation, (France) September 1998. http://stat-athens.aueb.gr/~jpan/European-HE-evaluation.html.

2- Regulation of the European Network for Quality Assurance in Higher Education (ENQA), September 2005.

3- International Quality Review, the World Trade Organization and the General Agreement on Trade in Services (GATS), by: Julia Nielson, Trade Directorate, OECD, on www.chea.org.

4- The Accreditation Council in Germany, on www.accreditation-council.de.

5- An Overview of U.S. Accreditation, by: Judith S. Eaton, on: www.chea.org.

 6- قرار رئيس جمهورية مصر العربية بمشروع قانون بإنشاء الهيئة القومية للاعتماد وضمان جودة التعليم

7- " نظام الاعتماد وضمان جودة التعليم مدخل جاد لتطوير جامعاتناومعاهدنا العليا"

 د. علي السلمي –  جريدة الأهرام 9، 13، 14 ديسمبر 2003