أحداث سبتمبر 1981

شهادة د. أمينة رشيد

لن أدخل في تفاصيل أحداث سبتمبر 1981 ، فهي معروفة، كتب عنها الكثير، وقيل عنها الأكثر.أريد فقط أن أقص ما حدث لي، فهو دلالة لما يجمعنا اليوم، ومراد سعينا المشترك: استقلال الجامعة.تم القبض علي نهارا، يوم ٥ سبتمبر 1981 . كنت أسكن شقة مؤقتة في الوراق وأستعد في ذلك اليوم، بمساعدة بعض الأصدقاء، للانتقال إلى الشقة التي التي استلمتها توا بمدينة مبعوثي جامعة القاهرة. كنا نجتهد في جمع الكتب وتصنيفها من أجل توزيعها على كراتين. كانت الشقة في حالة فوضى تامة، الأشياء مبعثرة في كل مكان، وبدأ الجوع يجعلنا نشرع في إعداد شيئ نأكله، عندما دخل عبر الباب المفتوح ضابط يرتدي لبسا مدنيا ويدعوني لأذهب معه إلى وزارة الداخلية. سألته إذا كان يحمل أمرا مكتوبا، فقال: لا. سألته أيضا إذا كان ينبغي أن آخذ حقيبة لليلة، فجاوب بثقة: لا يا دكتورة، نحتاجك فقط في سؤالين وتعودين إلى بيتك بعد ساعتين. مما جعلني أسأل السؤال الذي تحول إلى نكتة (كتبت عنه صديقتي صافيناز كاظم في إحدى مقالاتها الشهرية بمجلة الهلال): ما تقدروش ترجعوا الأسبوع الجاي أكون انتهيت من عزالي؟! صدقت موضوع السؤالين لأنني كنت أعتقد أن القبض على الناس يتم بأمر من النيابة وإلا يكون اختطافا!

نقلت في سيارة فاخرة ومعي إبني (عشر سنوات) إلى مبنى في ميدان لاظوغلي حيث تم الاستجواب الأول. دارت جميع الأسئلة حول لجنة الدفاع عن الثقافة القومية التي أسسناها مع د. لطيفة الزيات غد اتفاقيات كامب دافيد الأولى، مما طمأنني، إذ كانت لجنة شرعية تحت مظلة حزب التجمع الوطني التقدمي. ثم فوجئت عندما ُ طلب من أخي الذي كان قد أتى من ناحيته أن يأخذ إبني، ووضعت أنا في عربة "جيب" بين اثنين من العسكر، وسرعان ما فهمت والعربة تتجاوز ميدان التحرير أننا نتجه إلى سجن النساء في القناطر الخيرية.

قضيت ليلة أو ليلتين (لا أتذكر) في زنزانة مزدحمة وجدت فيها من أعرفهن ومن تعرفت عليهن: فريدة النقاش، شاهندة مقلد، صافيناز كاظم، وشابتين إحداهن تقرأ القرآن والأخرى مندمجة في الإنجيل. ومازلت لم أفهم ما هو الموضوع وماذا أفعل هنا حتى بدأت تصلنا بعض الأخبار عن اكتشاف مؤامرة وغضب السادات وحجم الاعتقالات والمطاردات. وتوالى وصول الصديقات: د. لطيفة الزيات ثم د. عواطف عبد الرحمن، التي كانت عائدة من الخارج وجاءت ترتدي معطفا للمطر وتحمل علبة من الشيكولاتة السويسرية! فقد قبض عليها من المطار.

كانت الأخبار عن مئات المواطنين المقبوض عليهم، وعن أساتذة نقلوا من وظائفهم في الجامعات إلى مؤسسات حكومية، من كليتنا المرحوم الدكتور عبد المحسن طه بدر، ود. عبد المنعم تليمة ود. جابر عصفور ود. سيد البحراوي ود. صبري المتولي ود. حسن حنفي، ولا أتذكر من الآخرين، وأنا!

 كانت الصدمة قاسية، مؤلمة، ربما أكثر من الاعتقال والسجن. فالجامعة والتدريس معنى من معاني حياتي. تركت وظيفة باحثة في المركز القومي للبحوث في باريس لأعود إلى مصر، إلى جامعتي، ولم أندم أبدا على ذلك. فحبي لطلابي واحترامي لهم، وحبهم وامتنانهم لي، كل هذا يضيف كل يوم إلى حياتي ويعوضني عن أي خسارة.

في الاستجوابات المختلفة كانت بؤرة الأسئلة تخص المعارضة لكامب دافيد، وكتيب عن التعليم (وجهة نظر في التعليم) اشتركت في تحريره مع بعض زملائي، وكان به بعض الانتقادات لتعليمنا أصبحت الآن معروفة للجميع. ثم اتهمت في قضية "التفاحة" بالتجسس للاتحاد السوفيتي! وبرأنا مجلس الدولة، ولا أنسى عدل القانون والقضاء الذي مورس لحقنا، ولا مجموعة المحامين المتفانين في الدفاع عنا، وأذكر منهم د. يحيى الجمل ود. نعمان جمعة. وعدنا جميعا (إذا لا تخونني الذاكرة) إلى وظائفنا بالجامعة. لماذا أقص هذه الحكاية؟

ربما كي لا تتكرر هذه الأحداث. وربما لأدافع عن حق أستاذ الجامعة في الدفاع عن وظيفته وقيمتها وعن حقه في ممارسته لمواطنته، فمازلنا في مصر نعمل في صنع الديمقراطية والمواطنة رغم جهود وتضحيات أجيال سبقتنا. فعلى أستاذ الجامعة، بالإضافة إلى تكوينه لطلابه يؤهلهم لممارسة سليمة ومبدعة لمهنتهم في المستقبل، وإلى جانب مساهمته في توصيل إرثنا الثقافي العريق وتراث الإنسانية العلمي والثقافي الذي ساهم العرب في صنعه للطلاب ، ينبغي على الأستاذ الجامعي إلى جانب ذلك كله أن يمارس حقه وواجبه في بناء المواطنة، وأن يعطي المثل والقيمة.

وهذا بالنسبة لي معنى استقلال الجامعة الذي نحتفل به اليوم، وشكرا.